الجمعة، نوفمبر 05، 2010

لا يوجد مصور في عنيزة

نخيل أخضر باسق ومتداخل،وبيوت صفراء طينيه على هامش الصورة،وسماء زرقاء صافيه،تغلف تلك الرواية المصفوفة عند مدخل دار الساقي في معرض الكتاب السابق:
لا يوجد مصور في عنيزة
 !
معلومة بسيطة،وملفته كعنوان لرواية ،كانت بحجم كف اليد وبثلاثمائه وتسعة عشر صفحة،شعرت معها بود خاص وحب من النظرة الأولى تلقفتها بشغف وحب استطلاع جعلها تظفر بأن تكون أول قراءاتي من حصيله المعرض.
.
.
إلى أهل عنيزة
الباقون على النبل ....والكبرياء

هذه الرواية،لا تدعي الخيال ولا تؤكد الحقيقة ،لكنها من بقايا ورماد الأثنين معا
.
.
رغم أن الرواية بعنوانها تؤكد عدم وجود مصور في عنيزة،الا ان الرواي يتقلد هذه المهمة فيكون هو المصور لعنيزة فينقلك بسلاسة لتلك البلده الصغيرة في قلب نجد مصورا لك كل التفاصيل الدقيقة في حياة أولئك البسطاء وكأنك تعيش معهم،فما بين الصباح الذي يتجه به الناس للحرث في الحقل والاهتمام بالنخيل وتجمع النساء في احد بيوت الطين ليتناقلن بعض الأحاديث،وصولا لوقت الظهيره حين كان يجتمع اهل عنيزة في أحضان النفود حيث لا يوجد شجر ولا نخيل ولا ظلال فقط رمال ناعمة يستلقون عليها ليروي كل واحد للآخر عن يومه فالنفود هي ملتقى أهل عنيزة في العصر،ومكان الراحة  نهاية النهار بعد الأعمال المضنية،والمكان الذي يظنون ان لا أجمل منه في الدنيا كلها
في المساء،تكون الطرقات مظلمة ولكنها بالسواليف منيرة،تنتقل بين الطرقات فتسمع صوت  هاون طحن البن الرخامي في بعض البيوت،وكأنها أجراس تعلن عن كرم صاحب هذا البيت ودعوته للحضور والمسامرة
.
.
لا يوجد حبكة،ولا يوجد شئ معقد في الرواية،انت فقط تعود بآلة الزمن لزمن الحرب العالمية الأولى،ففي حين كانت الحرب العالمية الأولى تدور رحاها في العالم كان أهل نجد في عالم آخر،يتسامرون في مجالسهم فييسئل ناصر الشيبان في المجلس:
ومن هذا هتلر وش يبي؟
فيرد العم سعود:
اللي سمعناه عنه ماهوب شين ..يقولون ما يحب اليهود وإنه يحب العرب ولكنه شري بالحيل
فيرد أحد الشيبان:
إذا كان هالكلام صحيح،أنا مستعد ارسل له كسوة زينة من بشت وغتر وعقال ونعال
 :)
تشعر وأنت تقرأ انك تتوسط مكانك في ذاك المجلس ،تضحك لبساطتهم و،تسمع قصائد يلقونها وتتلقف اذنك مفردات غابت
الدكيكن،ماهوب زين،منتب تعبان وغيرها من المفردات الكثيرة
.
.
.
البطلان الرئيسيان في رواية خالد البسام هما يوسف ومساعد،الصديقان اللذان يعشقان عنيزه ويلتقيان كل عصرية على النفود ،يتسامران ويثرثران على الرمال الناعمة،يختزل الكاتب بهما قصص وحياة وكفاح العديد من الناس،فمساعد يهاجر للزبير ويعيش هناك،يتعلم القراءه والكتابه ،وينخرط في السياسه والحب ايضا،بينما يوسف يهاجر للمنامة ويعيش فيها وير الدنيا بشكل آخر،وتستمر بينهما الرسائل طوال الرواية:
الفقر...طريق الهجرة...والكفاح...والحياة الجديدة التي لم يكن يرونها في عنيزة...وجوه النساء...السياسه...السينما وكل تلك الحياة الجديدة لم تغني عن حنينهم لعنيزة وسوالفهم التي كانت تبتدأ بها وتنتهي عندها فيقول احداولئك المهاجرين :
يا دارنا لا ترهبي يومك سعيد  حنا حماة الدار او شب شعالها
هذي عنيزة ما نبيعه بالزهيد   لافرعن البيض نحمي جالها
دونك او دون الغيد مخضر الجريد   نروي من الضد الحريب سلالها
ياما ذبحنا دون غضات تميد   جنايز ترمي ولا حد شالها
.
.
هذه الرواية جعلتني استرجع بذاكرتي لتلك القصص التي كانت ترويها لنا جدتي لأبي رحمها الله ،وفتره خرافها الأخير حين تحولت لهجتها لكلمات غير مفهومه وقصائد طويلة لم نكن نفهم نحن منها شئ،اما الحديث عن الزبير فذكرني بزوجه جدي رحمه الله، حلاوة لسانها،حفاوتها ولذه كل شئ تضع يدها فيه وتعده وتلك القصص التي كانت ترويها عن جدها المثقف وعمامها المتعلمين في وقت لم يكن في الكويت حتى مدارس
تلك القصه جعلتني اتنهد بعد كل قصة حزينة فيها تذكرني بذاك الفقر الذي عاشه الاجداد وسفرهم وهجرتهم من مكان الى مكان بحثا عن بعض روبيات يبعثونها لأهلهم الذين لم يكن لديهم حتى ما يسد رمق جوعهم،ففي زمن ما هاجر العرب لكلكتا للعمل في الهند ووبعث بضع روبيات لأهاليهم هنا،واليوم تدور الحياة ويعملون هم لدينا ليبعثوا ما تجود به الحياه لاسره الفقيرة هناك
يارب،ارزقنا شكر نعمتك وفضلك علينا وزدنا وبارك لنا ولا تغير علينا الى للافضل

ختاما:
تلك الرواية حصدت اعلى مبيعات في معرض الرياض قبل سنة من الآن،تم منعها من قبل الرقابة بالسعودية بعد المعرض رغم عدم
وجود مبرر لذلك ،ربما كان بسبب قصة حب مساعد سواء في عنيزة او في الزبير؟
رغم أن ذلك قد يحصل في كل زمان ومكان
:)
،والكاتب خالد البسام له كتابات عديده ولكن تلك هي الرواية الأولى له،يقال انه كتبها بعد أن زار عنيزة فرأى ان كثير من النخل قد تم قطعه وتم بناء البيوت الجديدة والكبيرة فعاوده الحنين لعنيزة القديمة،ارض اجداده فكتب تلك الرواية
قد تكون بعض تلك القصص حقيقية،قد تكون سوالف سمعها من الشيبان وجمعها برواية،وايا كانت سبب الرواية فقد اثارت بي الحماس لأن أطلب من كل شخص من الله عليه بوجود شايب او عجوز ان يكتب قصص يرونها له او قصائد يحفظونها عن ظهر قلب،لن نشعر بقيمة كل هذا الأن،لكن يوما ما سنروي تلك القصص لأبنائنا واحفادنا الذي قد يكونون لا يعرفون عن الماضي شئ

قراءة ممتعه اتمناها لكم
وعطلة نهاية اسبوع جميلة مع نسمات نوفمبر الباردة
:)