الاثنين، يونيو 14، 2010

من الذاكرة

تمر بعض الصور في مخيلتي كمشاهد من فلم قديم ،انسى اين شاهدته،وماهي قصته واذكر بعض من المشاهد المؤثرة فيه،
غريبه كيف تخزن ذاكرتنا صورهم،اصواتهم ،او حتى ملابسهم ورغم ذلك تأبى ان تخزن اشياء اهم نحتاجها بعض الأحيان
كانت طويلة القامة،سمراء الوجه،لها عيون واسعه وضحكة مثلثه،ويد صغيرة ملفته لنظري آنذاك،حين تتكلم تشعر بأن لكل حرف لديها مخرج مختلف مميز عن مخرج غيره من الحروف،وضوح صوتها ومخارج حروفها تجعل كل كلمة منها تخرج من شفتيها ،وتسقط في فضائي فأسمع رنته تصدح فيني
أذكر تلك الفرصة مابعد الحصتين الأوائل،حين كنا نلتقي انا وهي في غرفة صغيرة متصله بغرفة المدرسات،تجلسني على الكرسي المقابل لها وتقول لي سمي بالرحمن،فأسمي وانظر لحذائها واسمع،ومتى ما فلتت مني آيه اغمضت عيني بقوة علي اتذكر صفحة المصحف واذكر اين موقع تلك الآيه التي نسيتها
كنت أتهجأ واحفظ سماعي،ورغم ذلك فقد علمتني هي ان يكون لي مصحف خاص احفظ من خلاله،حتى اذا ما نسيت اية اغمض عيني وسأر الصفحة واماكن الكلمات والآيات فهي ستخزن دون ان اعلم فيني
كنت كثيرا ما انسى وحين انسى ارتجف واخاف،أفتح عيني فتبتسم لي ابتسامتها المثلثه وتذكرني ببداية الآية فأكمل،وحين ننتهي من التسميع افتح عيني فأر في عينيها بريق واشراقه، تتنهد وتبتسم:
ما شاء الله
فأشعر بأن هذه الدنيا كل الدنيا لا تسعني من الفرح،ربما كانت مجرد ما شاء الله وبسمة،ولكني كنت وما زلت طفلة اشعر بالفرح حين ار التقدير في عيون من احب،ولأننا نحبهم فأي كلمة او تقضيبة حاجب منهم تؤثر بنا أكثر مما نتخيل،فما زلت أذكر وجهي حين امتقع واصبحت حمراء وارتجفت حين ضربت بيديها على الطاولة وكررت :
ينقلب..ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير
كانت تطلب مني تكرير الآيه،وكنت اصمت وما زلت اصمت حين اشعر بالحزن العميق، او ارتبك حينها سئلتني :
شفيج استكانة
قلت لها:
انا بنت صغيرة ماعرف ماعرف تجويد صعب
بس ابي احفظفابتسمت،ضمتني لها وقالت:
اللي يحفظ على غلط يتم طول عمره يكرر الغلط مهما كبر
...
وحدها رسخت في داخلي أهمية البدايات،البدايات الصحيحة تظل في داخلنا صحيحة وتنطبع صحتها في اللاوعي فينا،والاشياء التي تبدأ خاطئة،ستظل خاطئه طالما لم نحاول اصلاحها بصدق
لذا فقد حلينا مشكلة التجويد بالحفظ السماعي،وباختيار الاوقات المناسبة للحفظ،ونجحت كل خططها معي فحفظت سورة تبارك وانا في الصف الثالث الابتدائي،وفي يوم التسميع لم اكن وحدي معها فقد كنا بصحبه لجنة من المدرسات،بحثت عن طرف ثوبها،جلست بمقابلهم وسمعت،اغمض عيني تاره،وافتحها تاره،ومتى ما تفلت مني شئ،كنت انظر لها فتبتسم ابتسامة مثلثه،تومئ برأسها وأكمل انا
:)
حين انتهيت،اعطتني ورقة صغيرة مستطيلة،ملصق على اطرافها ستكيرز وردي،وفي داخلها كتبت لي:
تلميذتي الغالية...البسك الله حلل النور وادخلك الجنان وجعلك ممن يقال لهم أقرأ وارتق فمنزلتك عند آخر آيه تقرأها
كانت تلك الشهاده المكتوبه بخط يدها تسو عندي الكثير،وما زالت موجوده في صناديق ذكرياتي المركونه في مكتبتي الصغيرة
.
.
.
قبل عدة ايام، استذن هو من عمله ليصحبني في مشوار قهوة في احد المقاهي المنتشره في ذاك المجمع الكبير،الناس تروح وتجئ،دون هدف او شئ يستحق المسير،ورغم انه يوم من ايام الاسبوع ،فقد كان المكان يضج بالناس،واكثرهن نساء متقاعدات كما حلى لنا التفسير
وقف هو ليسلم على احد معارفه،واخترت ان الجلوس في احد الزوايا،في انتظاره تجول عيني في المكان،ويفز قلبي على تلك الجالسه في الزاوية المقابلة،،اعرفها ،معرفة عميقة وثيقه،موجوده هي في ذاكرة قلبي ولكن من هي؟
ظللت طوال الوقت اناظرها،هل هي نفسها ابلة نورة؟
وهل فعلا ما زلت ذاكرتي تعرف نورة التي كانت تزفني على رقة راءاتي وعلى عدم اجادتي للقلقله والاخفاء؟

 
شئ ما في قلبي تحرك،تبدو اسمن مما كانت،واكبر ما صورتها في ذاكرتي،تخلت عن حجاب الشاي حليب،واصبحت ترتدي عباة على اكتافها ولفه اوسع،وتخليها عن حجاب الشاي حليب امر مفرح فهو الشئ الوحيد الذي لم اكن احبه فيها،ابتسمت هي لمحدثتها ،فاشرق وجهها بابتسامة مثلثه اعرفها تماما،ابتسامة جعلتني اقف واقرر بلحظة اني اريد ان اسلم عليها الآن،هو حاول ان يثنيني عن تلك المحاولة :
استكانة من صجج بتسلمين عليها؟
هززت رأسي مؤكده:
انا احبها ليش ما اسلم عليها
ما راح تذكرج تدرين هذا كله صار له جم سنه؟
مو مهم تذكرني المهم انا اذكرها
ضحك على حماسي واستدرك:
ترى بيضيق خلقها ان درت انها مدرسه واحده كبرج
هززت كتفي ورفعت له حاجبي:
وانا كبيرة مثلا
:P
أكدت له اني لن اضيق خلقها بل بالعكس أريد ان افرحها بكلمه بخاطري ان اسمعها اياها،توجهت بخطوات مرتجفه،ادعو ان لا تفشلني وأن لا أكون مخطئه،تجاوزت الطاولات وصولا لطاولتهم،ابتسمت لها فابتسمت وسلمت:
السلام عليكم،نورة؟
لم اقل لهاا بله نورة،ربما خوفا من صدمتها من ذاكرتي ،فابتسمت:
إي نعم
شعرت بأني فجأة تحولت لطفلة صغيرة،ترتبك لرؤية مدرستها في مكان عام،مددت يدي وصافحتها:
انتي ما تذكريني،انا استكانة،طالبه عندج في مدرسة ...الابتدائية،وكنتي تحفظيني قرأن اولى وثانيه وثالثه ابتدائي في المنطقه الفلانية
شعرت بشئ من الخجل وهي ساكته ولكني اكملت:
اهلي قالو لي ما راح تذكرج وبتضيقين خلقها،بس انا قلت بسلم لسبب،بقولج ان مرات نقول اشياء ننساها وما ينساها لنا الرحمن،وانتي قلتي لي اشياء وايد باقيه في بالي واذكرها لج بمناسبات عديده،ياربي تكون في ميزان اعمالج ويرزقج ربي فيها الجنه
ابتسمت انا،فابتسمت ابتسامتها المثلثه:
استكانة فلان الفلاني
تذكريني؟
ضحكت:
كنت شاكة،بس وانتي تتكلمين ذكرتج من عيونج وانتي تسولفين ما زلتي تقولين اللي تحسين فيه بطلاقه من عرفتج لي اليوم
:)
ضحكنا،سئلتني عن اخباري،رأيت شئ في عينها يلتمع وانا اقول لها عن اخباري،وسئلتها عن اخبارها فعرفت انها تقاعدت منذ سنوات ،سئلتني عن حياتي،كانت سعيدة وهي تسمع اخباري،تردد ما شاء الله ما شاء الله،ولكنها حين سئلتني عن القرآن واين وصلت به ،شعرت بخجل عارم شديد،وكأني لم انجز شئ في حياتي،قلت لها :
للاسف انا وايد لاهيه ما عندي وقت احفظ،ويمكن اللي حفظته نسيته
ابتسمت:
اذا استقطعتي وقت لحفظج  ربي بيبارك لج بكل الوقت وبتشوفين بركته بحياتج كلها
صدقيني
وضحكت:
وكيف لا اصدقها وهي ابله نورة؟
.......
صافحتها بحراره،قبلتها،ورجعت لطاولتي بصحبه ابتسامة سعيده وما ان جلست حتى ابتسمت ابتسامة نصر:
ذكرتني
:)


إستكانة اليوم:
اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك
اللهم اجعل القرأن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وذهاب همومنا وأحزاننا
آمين