الجمعة، مايو 21، 2010

جليعة

حين تسدل الشمس خيوطها  في نهاية نهار صيفي حار،تنزل رحمات الله علينا بنسمات هواء بسيطة تبدد رطوبة الجو الخانق حولنا،في تلك الأثناء نستلقي نحن في غرفة جدتي في ذلك الشاليه الصغير في الجليعه،نستمتع بنسمات الهواء الباردة الخارجة من قلب تلك الكنديشن،لا اعرف لما كلمة كنديشن تثير بي شئ ما ،بمجرد ان اكتبها او انطق بها اتذكر تلك المربعه الكبيرة ذات الهواء البارد ،الي لا اكاد استلقي تحت هواءها حتى تغفو عيني،هل هو هواءها البارد ام حنتها؟

لا اعلم ولكن أذكر ان حنة كنديشن الشاليه كانت قادره على جعلي اغفو في كل عصريه تعقب صباحاتنا الغارقة بالبحر،والرمل والملوحه التي كانت تلتصق بشفاتنا وتصاحبنا طوال النهار

كنا ثلاثتنا ننام على الأرض على ثلاثه دواشق نلصقها ببعض على يمين سرير جدتي،نضع رؤسنا ببعض ونظل نثرثر طوال الليل ونكركر،حتى تصرخ علينا جدتي:

ويه لا الله الله عليكم سكتو لجيتونا،بالعين رادو؟

فنسحب الشراشف الى حد تغطية وجوهنا ونضحك بصوت صامت ،نسكت قليلا ويعم الهدؤ المكان فتتنهد جدتي:

هاو علامكم سكتو عاد،يا سراييين يا ظلمه؟

فتتحلطم ابنه خالتي وترد عليها:

والله يمه ما عرفنا لج ،ان سولفنا زفيتينا ،وان سكتنا ما ياز لج شنسوي؟

تضحك جدتي،واكركر أنا على ذاك الحوار المكرر مليون مرة،كنت حين اضحك افقد قدرتي على السيطرة على نفسي،تظل اكتافي تهز واضحك فتسسلل عدوى الضحك لهن فيضحكن

هل للضحك عدوى تصيبنا؟

انا أؤمن ان الضحك والبكاء ،الفرح والحزن ينتقل لنا بالعدوى ،تلك العدوى التي لا ينقذنا منها سوى خزه ابنته خالتي الكبيرة حين ترجوني ان اهدأ حتى تنام جدتي،كانت جدتي قبل ان تنام تقص علينا حكايات مكررة،اشبه ما تكون بقصص الرعب التي ما زلت اسئل نفسي كيف ينام الأطفال بعدها؟
سرور ذبحته مرة ابوه
والحصان اللي يطير
وام السلاسل والذهب
والذيب يوم انه كلا سويرة
وأكره قصه عندي:
قصه التي تحب ابوها كثر الملح
!
،كنا نعلم انها نامت حين تبدأ مسلسل احلامها بالعرض مبتدأ بطلبها بوضع العشا لخالي الصغير،عندما تطلب ذلك الطلب ومن ثم تنطلق بمناداة امها،والحكي بكلام لا نفهمه كنا نعلم بأن النومه شرفت بأجمل صورها على عين جدتي
أشعر بالشفقة حين تنادي امها في احلامها ،عاشت جدتي يتيمه،وما زالت الى ذلك الحين تحلم بأمها ولم تنساها
!!
في تلك المساءات كنا ننتظر إغفاءة جدتي،فتتسلل واحده منا تلو الأخرى ،أسحب البساط،وتحمل ابنة خالتي مسندين،وابنة خالتي الأخرى تحمل راديو صغير،،نجلس تحت درج الشاليه مقابل البحر،كل اضواء الشاليهات كانت تطفأ في ذلك الوقت،ولا نسمع سوى صوت أمواج البحر تروح وتجئ مصطحبة معها بعض نسمات الهواء الباردة ،ونجوم الليل تتلألأ فوق سماء احلامنا،كانت تلك الجلسه من اجمل الجلسات التي تحملها ذاكرتي من عمر مراهقتي وشبابي،كنت اتلذذ بالهدؤ والبحر وصحبتهن وان كنت اظل بعيده عنهن بصحبة راديو جدتي حيث امسكه واظل افرفر فيه عل حظي يبتسم بسماع عبدالكريم يغني لي

أعترفلج بالليالي في غيابج سهرني

فأضع راسي في حضن ابنة خالتي واحلم:

هل هناك من سيكون غيابي سبب في سهره؟تبتسم ابنة خالتي خولة وتجيبني:
عيشي احلامج   يا استكانة مافي ريال الحين يسهرعشان سواد عيونج

ومن ثم يستطرد عبدالكريم  ويغني لي:

لو يرد لي الوقت مثل ما كان ...أحبج ...هذا عمري وليش انا اندم عليه...هذا حظي دامه حظي راضي فيه؟
كنا انا وخولة نعشق هذا المقطع
هل هو لبساطة الإحساس فيه؟
او للاحساس الرضا فيه؟
فهو وإن رد له وقته وزمانه سيظل يحبها ويحبها دون ندم او اي حسرة على الماضي والاختيار
!!
رغم كل وسائل التكنلوجيا الحديثه كنت وما زلت استمتع بالراديو،بتلك الأغاني التي تأتيني تفاجئني وتراقص مشاعري وأحلامي،اظن ان للراديو حس المفاجأة لذا  كنت وما زلت احمل له الود الكبير،ولم يكن يشاكسني في تلك الأثناء الا شيخة ابنة خالتي حين كانت تسحبه من يدي باحثه عن اي اغنيه ونيسه ،تجعلها تصفق وتتراقص قليلا،فتستانس ويستانس الجميع بدل مود الحب الذي كنت اعيشهم فيه بصحبة البحر والقمر
في تلك الأثناء عيون خولة ابنة خالتي الثالثه معلقه على شاليه سارة،تنتظر قدومها في أي لحظة،ولم تكن ساره وابنتي عمها يأتون لنا الا بعد الثانيه عشر مساء،بصحبة كيس من برد كي دي دي ،متنقصين لي برد الذهب من غلاتي،اضحك حين اتذكر كيف كان لبرد الذهب قيمة الذهب بقلوبنا،وكيف كنت اقدر لساره وابنتي عمها حرصهم ان يكون ذاك الذهب من نصييبي

تجلس ساره فوق المسند كعادتها  لتكون في وضع يسمح لها بأن تترأس وتكون اعلى منا ونحن جلوس لا يفصلنا عن التراب الا ذاك البساط المشجر،تقول لنا وهي رافعه حاجبيها وبصوت تمثيلي:

طافكم شنو صار اليوم؟

فتتحول عيووننا نحوها مشرئبة اعناقنا تنتظر احد تلك القصص التي كانت تحكيها لنا مع كثير من البهارات والمؤثرات الصوتيه،فتقول:

اليوم كنت اتمشى وباعدت شوي ووصلت شاليه فلان الفلاني،الله يهدي بناتهم الله يهديهم شلابسين
فنفتح عيوننا ونسئلها
شلابسين؟

فتعظ شفتيها وتكمل:

لابسين شي ما ينقال ويسبحون فيه والناس واقفه وتشوف،ياربي ما وراهم ريايل

فنهز رؤوسنا دون جواب مستغربين من ذاك اللبس الذي تصفه وتحكي لنا ما ترتب عليه من ضجة في ذاك المكان

سالفه سالفتين لابنته عمها ،تنهي هي البرد الذي بين يديها ثم تسئلني:

تعرفين يوسف؟ صاحب اخوج وعيال خالتج....الله يا انا سامعه عنا كلام شي يشيب الراس

فأفتح عيني واسئلها:

يوسف...يوسف؟
هذا اكثر شخص مؤدب شفته بحياتي
بس الولد لأنه مزيون تحجون فيه
فتضرب على كتفي:
شعرفج انتي،يا كثر ما يخزنا انا وبنات عمي كل ما رحنا نشتري من السياره اللي واقفه هناك ..اممم خليني ساكته

واسكت انا مقررة ان اخليها ساكته،كان لساره اسلوب مبهر وصوت اذاعي،تجعلنا دائما نتحلق حولنا وهي الاكبر سنا فينا فتحكي لنا عن بنات الشاليهات المجاورة،وعن تلك القصص التي سمعتها ورويت لها من صديقاتها في الناحية الأخرى،وكنا نمثل لها ابسط بنات والاكثر براءه،ربما لأن جدتي كانت لا تسمح لنا بأن نبتعد عن حدود الشاليه ،وربما لأن لكل منا اخ وابناء خاله كثيرين كانو في أوج مراهقتهم وشبابهم وأول من يريدون اخراج رجولتهم عليه كنا نحن الثلاثه   فكانت اي خطوة بعيده ببعد خمس شاليهات لابد ان تكون بصحبة احد منهم....كم كنا نكرههم في حينها وننقد عليهم حجارتهم التي لم تكن لها سالفة

ظللنا كل مساء على ذات البساط نسمع قصص ساره ،دون ان تفكر في مصداقيتها او مصدرها التي تستقي منه معلومات كل هذه القصص،كنت انتقدها لخوله حين قلت لها كيف تجرؤ ان تقول ما قالته عن يوسف صديق اخوي،فتبتسم خوله وتقول لي لتقل ما تقوله الرجل ليس كالبنت وسمعته غير مهمه ،غريب تفكير خوله ومثلها الكثيرات كيف تكون سمعه الرجل غير مهمه وسمعه البنت هي المهمه؟

كيف كنا نخاف من ان يتكلم رجل فيحوس سمعة بنت ولا نخاف من بنت تتكلم فتودي بسمعة احدهم الى الحضيض؟
انا كنت وما زلت مقتنعه ان لكليهما سمعة واسم وحياة ،لا يجوز ان نتعرض لها سواء كان بنت او رجل

منذ حديثها عن يوسف  وهو الصديق القريب لأخي وانا اشعر بشئ ما في قلبي ،وخوف يجعلني اخاف ان قمت من على ذاك البساط واعطيتها ظهري ان تتكلم فيني وبخولة وشيخة بنات خالتي،فالبنت هوايتها الثرثره بكل شئ وان سئلتها من قالج؟

ترفع حاجبها لي وتسئلني:

يعني انا جذابة؟

فاتجنب الدخول معها بأي نقاش يثبت لي بالنهاية انها فعلا جذابه،اتجنب خوفا على مشاعر خوله وشيخة واظل افرفر بالراديو الصغير ابحث عن عبدالكريم او محمد عبدو يغني لي ويعيد لي الجو الذي احبه

احد تلك المرات كنا جلوسنا فسئلتني :

ريم البنت البيضاء ام شعر طويل الحلوة اللي شاليهم أبيض وكبير تعرفينها؟

ابتسمت

اي

فتحلف حلف بأغلى ما عندها وبغلاة والديها أنها رأتها واقفه على المغربيات على البحر بصحبة عبدالرحمن

فتشهق شيخة:

عبدالرحمن

!!

فترجع تحلف ساره بغلاة الجد السابع عشر من اجدادها وبالنعمه التي بين يديها انها رأتهم ،فأرفع راسي بملاقه واقول لها:

ما يجوز الحلف بغير الله يا السوري

فتضحك وتكمل تفاصيل ذلك المشهد الذي رأته مضيفه له الكثير من بهارات الاثاره والتشويق والأحداث الغير بريئه ابدا

بعد تلك الجلسة نقلت السالفه الى ابنة خالتي الرابعه التي لم تكن معنا حينها فضربت على قلبها وصرخت:

يمة يا ويلها من الله،عبدالرحمن خاطب ريم وملجتهم بعيدة لأن عبدالرحمن باقي له كورس ويتخرج من امريكا

!!
شعرت بشئ من الرضا حين قالت لي ابنة خالتي ذلك،فريم صديقتها القريبة،وعبدالرحمن قريب أمي،ابتسمت وانا اردد:

يعني ساره تألف وتجذب واحنا نصدق

فردت ابنة خالتي:

هذا انتي دريتي،بس باجي الناس اشلون تدري؟ مو الكل يتحرا الصدق ولا يبحث عن حقيقة الله يسامحها جانها معروفة انها تموت بتنقل الكلام وتجذب وانتو الله خير معطينها اذنكم
لم أعد احب تلك الجلسات التي تحضر فيها سارة،وهي كذلك اصبحت تقلل من جلساتها معنا بعد أن رأت اننا لم نعد نصغي لرواياتها المنسوبه لكل الأشخاص حولنا دون دليل ثابت ودون مصداقية.
امواج البحر تروح وتجئ،،تروح بأشخاص كانو معنا وتجئ بأخرين،وراحت ساره عن ذاكرتي مع موج البحر،وانقطعت روحاتنا للشاليه بعد ان مرض جدي ووفاته حيث تم بيع الشاليه وانقطعت اخبارها عنا،عرفت بعد سنوات ان ساره تزوجت وانفصلت ،وحزنت من اجلها كثيرا،ولم يدم حزني فقد عرفت صدفة انها تزوجت مرة أخرى من ابن عمها وتعيش معه سعيدة

كيف تذكرت سارة اليوم؟

تذكرتها البارحة حين ارسلت لي أختي الصغيرة مليون رساله تسئلني ان اتصل بها لأمر هام،اتصلت بها فسئلتني

ابي مساعدتج بشغل

تعرفين دلوله صديقتي بالمدرسة؟

بحثت عن صورة دلال صديقة اختي الصغيره في ذاكرتي فلم اذكرها:

لا ...ذكريني
فاستطردت اختي:

دلال اللي كانت معاي بالبروجكت اللي قلتي عنها مؤدبه وشكلها شاطرة الطويله

فابتسمت:
إي اي عرفتها
مسكينه ،كانت حاطة صورتها في حفله في البي بي،وما تدري اشلون الصورة وصلت حق واحد ،حاطها وكل شوي يخرعها واهي بتموت من الصياح،اشلون تقدر تتصرف؟


تكلم اهلها

تخاف

!!

فظللت اقنع اختي بأن الشخص الذي لم يرتكب خطأ ما لا يخاف من شئ،وان بعض الأمور حين يكون فيها طرف اخر لابد ان يتدخل رجل بمواجهته ليعلم ان هذه البنت وراها اهل ورجال،واني قادره على التصرف ولكن اعتقد انه من غير المناسب ان اتصرف انا وهي عندها اهل ويفترض انها هي ايضا تبتعتد عن موضوع من هذا النوع،سكتت قليلا ثم قالت لي

اخت دلال صديقتج وتحبج وكانت تسولف عنج وايد اسمها ساره ،شاليهم كان يم شاليهنا قبل تعرفينه؟

بس اهي تخاف تقول حق ساره تقول بتعصب عليها ولا راح تتصرف

حين قالت ساره الفلاني،انتعشت ذاكرتي بجليعه وذكريات جليعه،اوصيتها ان توصل لأخت دلال السلام،اغلقت الهاتف بعد ان اوصيت اختي بعدم التدخل الا بالنصيحة،وظللت افكر :

كيف هي الدنيا صغيرة ،يغيب الناس ويعودون في احداث اخرى؟

وفكرت.:
كيف هي الدنيا غريبة لم ولن اتشمت بأحد ولكن الله يجزي من جنس العمل كم ظلمت ساره بأحدايثها بنات وشباب كانو حولي،واليوم تظلم اختها الصغيرة بشئ لا علاقه لها به؟
تلك الفكرة أخافتني كثيرا،هل ممكن ان اقدوم بخطأ ما،فلا أرى نتيجته الا بأختي او بأهلي؟

هل ممكن ان تلك الايام تداول فيصبح الظالم مظلوم والمظلوم ظالم؟

انا ميقنة بأن الله سبحانه وان ظلم الناس الناس فهو لا يظلم احد،واي شخص ظلم ولاكته الألسن دون حق ،لابد ان ينصره الله في يوم ما،ايقن بأن احيان كثيرة محافظتك على مبادئك وقيمك واخلاقك هو سبيل لمحافظتك على اهلك وابنائك من بعدك،خوف اختي...ظلم تلك الصغيرة امام شاب عابث...احاديث سارة القديمة كلها كلمات ولكن ممكن ان تكون نتائجها عظيمة
وحسب المؤمن من كلمه يتفوه بها فتودي به بالنار وكلمة ترزقه الجنة
كلمات بسيطة نستسهلها ونستستهل نقلها من اذن الى اخرى،ننساها نحن ولا ينس الرحمن اننا قد نكون قد ظلمنا بها احدا
يارب:
احفظنا وباسمك الستار استر علينا وعلى كل من نحب
...
الهواء حار،وشئ قليل من الغبار معلق بالسماء مع انتهائي من هذه التدوينة،ارسلت مسج لابنة خالتي خولة:

اشلون خولة وبناتها؟

فترد علي:

اذا ما تحبين أحد أدعي لها بتوأم،استكانو انا لاأنام

أضحك وارسل لها:

يبيله جليعه تصدقين..وبناتج الدعل؟

فترسل لي تنهيده بحجم المسافة بينا :

اخييييه يا استكانة،مال من يحذف هاليهال ويردني على ذاك البساط،عبدالكريم يحن،وانتي راسج بحضني

لا يهال يحرمونا نومتنا،ولا ريايل يكرفون قلوبنا
أدري ريلج ما يكرف معرس بس عطيه سنه ويبدي

:)
أغلقت رسالتها وابتسمت،رغم ان الذاكرة الجيدة ابتلاء في أحيان كثيرة،إلا أنها مفيدة حين تعود لها وتبحث فيها عن أشياءك الجميلة
استمتعوا بحياتكم
وذكرياتكم

إستكانة الويك أند:

عمري كان .. خطوات في درب الامان

والزمان .. ما كنت احس انا بزمان

انا .. انا اللي هدني السفر

انا .. جرح عيوني السهر

يومٍ .. يومٍ ضحك لي القدر

لقيتك في ثواني ..

طارت بي الفرحه طارت .. طارت .. مدري ليش

زانت لي الدنيا زانت .. زانت .. مدري ليش

آه .. تمنيت .. لو وقتي نساني .. تمنيت
وانجبرت .. اعترف لك .. اعترفلك

وش حيلة المجبور

وش حيلة المجبور
صدقيني .. ما تحسفت على يومٍ

لو يردلي الوقت .. مثل ما كان .. احبك

هذا عمري .. ليش انا اندم عليه

هذا حظي .. دامه حظي راضي فيه

تعلمت يكفي ما تعلمت او تألمت مافيه الكفايه

وتوهمت .. في حبك توهمت

وتوعيت .. على قرب النهاية

وانجبرت .. اعترف لك .. اعترفلك

وش حيلة المجبور

وش حيلة المجبور




estekana