الجمعة، مايو 14، 2010

السدرة

بلدي الكويت :
يشبه سدرة جلسنا تحتها
وأظلتنا بظلها
أكلنا ثمارها ولم نتذكر يوما أننا
سقيناها ماء...بل نأكل ما تنتجه من كنار

...
تحت وارف ظل سدرتنا الكويت ،يجلس هو بجانبك،يستهل ذكرياته بالتعريف عن نفسه ببساطة:
انا موجة ارتفعت بين أمواج متلاطمة في هذا الوجود،موجة تعلو غيرها أحيانا،وتتقاصر دونها في أحيان أخرى،أنا من جيل انطبع بطوابع بريئة يتذكر ما ترك من ألعاب طفولته على الأقل،فهل تمتلك الأجيال اللاحقة ما تتركه في عجلتها للفوز بهذا المكسب وذاك المغنم؟


يسئلني...وأعجز عن الإجابة
هل نملك نحن او الأجيال المتعاقبة القدرة على تذكر اشيائنا البسيطة والثمينة؟
هو برجس حمود البرجس،ولد في الجهراء لأم اسمها طرفة عثمان الموسى ولأب تسكن عائلته في كويت الثلاثينات على ساحل البحر،ومابين هذا التردد مابين الجهراء والساحل تبدأ ذكرياته من بين احضان نوير الجهراء حيث ولد وعشق الحياة ومابين البحر حيث كانت تبدأ رحلات الغوص والبحر
ولادته في تلك المدينة الرابية المسماة بالجهراء جعله يحتفظ بصورة للنوير والرطب والبرسيم،فيتغنى بجمال الجهراء وأسواق الجهراء الصغيرة انذاك،مخلفا في قلبي تأكيدا على يقيني بأن للجهراء سحر لا يعرفه الا من ولد فيها وعاش في ربوعها
ذاك ما كنت اشعر به كلما ثرثرت صديقتاي اللاتان تسكنان الجهراء وتشعران بالإنتماء والحب لها
....
لم يكن البرجس من الجيل الذي سافر وعبر البحار لبناء كويت الحاضر،ولكنه كان ابن لأحد النواخذه الذي يستذكره في بداية الذكريات بمشهد عودته من الهند في عام 1943 بعد احتجاز السفن الكويتيه في أعقاب الحرب العالمية الثانية،كان احتجاز السفن مربك لأوضاع الاسر الكويتيه الذين كان يعمل أبائهم على السفن، و كان البرجس ابن احد هذه العوائل التي فقددت والدها بلا اي خبر لمدة ثلاثه شهور لأمر الذي دعى البرجس ان يعمل وهو في الثانية عشر كمحصل في البلدية،يجمع الرسوم من الكراجات والقصاصيب وسوق واجف وغيره ليسد قوت اسرته لحين وصول خبر عن والدهم

ذكراه عن عمله كمحصل رسوم للبلدية وهو في الثانية عشر جعل شريط من صور كل اطفال عائلتي المماثلين له بالعمر ،ما الذي يمكن ان يقومون به لو مرو بموقف مشابه؟
هل زرعنا في اطفالنا الرجولة التي تجعلهم قادرين على التصرف في المواقف الصعبه وتحمل المسؤولية؟
 
منظر البحر والانتظار والمشاعر المتأرجحة مابين الخوف والأمل
ذكرى غياب والد البرجس وقصة رواها جدي رحمه الله:
حين تركوه في الهند وهو صبي صغير لإًصابته بمرض انذاك،عاش هناك عدة اشهر لحين عادت احد السفن فرجع معهم للكويت
كل تلك القصص تجعلني اسمع صوت البحر واليامال واتخيل وجه كل ام وزوجه تنتظر ولا تعلم :
هل سيعود او لا يعود؟
ماذا لو كنا نعيش في ذلك الزمن؟
هل سـنتحمل غياب من نحب؟
هل سنكون قادرين على ان نعيش حياتنا وأيامنا دونهم؟
هل النساء اليوم المتشبثات بالحرية الصورية والصورة النمطية للمرأه مسلوبة الحق قادرين لو لحظة على حياة امهات الأمس اللائي كن مثال للصبر والايمان وربين اجيال واجيال وحدهن؟
ونحن الشباب:
كيف كانت ستكون حياتنا وأحلامنا؟
كيف ستكون نظرتنا للمستقبل؟
...

والد  برجس البرجس عاد في تلك السنة،وعاد البرجس للانتظام في احد المدارس التي لم يكن الطالب يدخل بها رسميا الا بعد مقابلة يوسف بن عيسى القناعي،المشرف العام على التعليم النظامي في تلك السنة

كتاتيب،وعلوم بسيطة،وتعليم ذاتي هكذا بدأ التعليم بسيطا فقيرا في كويت الماضي يسيطر عليه نظام البعثات التي كانت تأتي بمدرسين من مصر وفلسطين تحت اشراف وتفتيش بريطاني انذاك
صفحات كثيرة يتكلم فيها البرجس عن القناعي والعديد من رجالات الكويت الذين أسسوا كويت الحاضر رغم قلة الامكانيات والخبرات حاولوا محاولات كثيرة،فكانوا مابين امرين:
اما الفشل..وحينها يكفيهم شرف المحاولة
وإما النجاح...فيكون هو لبنة بناء مستقبل هذا الوطن
هؤلاء الرجال يرسخون فكرة ان بناء المستقبل والتغير يكون بالعمل الصادق بكل مجال من ابسط عمل حتى اكبر منصب ،ولا يكون البناء مجرد آمال معلقه واشتراطات معينة ان تحققت عملنا وان لم تتحقق لم ولن نعمل
!
.
في عام 1946 بدأت شركة نفط الكويت عملها في الكويت،بالتزامن مع وصول البرجس للمحطة الأخيرة في المدرسة القبلية الذي كتب عن هذه الفترة:

كانت الحياة قاسية على الجميع،لذا اظطررت لترك الدراسة ومباشرة حياة العمل في شركة النفط،وظل قلبي معلقا على الدراسه في الوقت نفسه،جامعا بين التقلب في الوظائف وبين حرصي على تلقي دروس خصوصية من خلال ما أوفره من مال،تلقيت دروس خصوصية في الرياضيات والتاريخ واللغة والأدب العربي والكيمياء والطبيبعات.



ينتهي كلامه في تلك الجزئية ويثير انتباهي حرص شخص مثله على التعلم والاستزاده رغم كل تلك الظروف الصعبة انذاك
!!

العلم نور،ينير لك البصيرة والعقل والحياة،كم شخص منا انقطعت معارفه ومعلوماته بالتزامن مع تخرجه وانشغاله بالعمل والحياة،هل فكر اي شخص منا بتعليم نفسه وزيادة معلوماته في اي جانب يجهله؟

ويقول البرجس في موقع آخر:

كان عملنا في محطة البنزين في الشويخ مناوبة،وحين نعود في الحادية عشر الى الكويت سيرا على الأقدام،نجد كل البوابات مغلقة،ويندر ان يستجيب الحارس لنداء المشاة المتأخرين من أمثالنا فيفتح البوابه
ويزيد الأمر سؤ أن عشيشا كانت تنتشر في المناطق المحيطة،ويقيم بها بدو مع كلابهم،مما كان يحول رحلة العودة الى نزهة محفوفة بالخطر،وكم من مرة فوجئنا بالكلاب تركض من وراءنا وامامنا البوابات مغلقة
:)
شئ ما اثار ابتسامي وانا اتخيل رجالات الكويت الذين بنوا هذه الدولة في هذا المشهد البسيط،والعفوي وهم يركضون وتركض الكلاب ورائهم بعد ان اغلقت الكويت ابوابها ونام سكانها واهلها
كم كانت الحياة بسيطة،وجميلة،والكويت في تلك الفتره كطفلة جميله في طريقة لمرحلة الصبا والجمال

يكمل حديث ذكرياته فيقول:


في يناير 1950 توفي الشيخ احمد الجابر،وكان ابن عمه عبدالله السالم في الهند،تولى الشيخ عبدالله المبارك شؤون البلاد حتى عودته من الهند،آنذاك لم تكن موجودة قواعد محددة لاختيار الحاكم ولا وجود لدستور ممكن الرجوع عليه


يكمل البرجس ما حدث في تلك الاثناء من حوادث مهمه  في تاريخ الكويت وكيفية اختيار الحاكم واستذكر في ذات الوقت،وفاة الشيخ جابر رحمه الله واختيار الشيخ صباح بعد تنحيه ولي العهد الشيخ سعد رحمه الله ،بأسلوب حضاري وباحتكام الى الدستور واجراءاته،يكمل البرجس عن تاريخ المجلس التأسيسي وحكم عبدالله السالم ومن ثم وضع الدستور

فسبحان الله الذي طور هذا الوطن ،من وطن يسير على البركة ،الى وطن ودولة قانون ودستور مقنن ومحدد،دستور هو صمام الأمان والحماية وضع من قبل رجال صادقين في حب هذا الوطن وفي وضع مستقر
دستور:
أؤمن انه ليس قرآن منزل قابل للتغير والتعديل ولكن  اي اقتراب منه مشروط  ان يكون في ظروف مشابهه لتلك الظروف الذي وضعت به ومن قبل رجال صادقين كأولئك الذين وضعوه
لذا فلا أظن ابدا ان جاء الوقت لإجراء اي تعديل به 
.......
ونعود للسدرة:

بين أزهار النوير...وبين الأسرة البيضاء....قوميون واشتراكيون وفلسطنيون...الإعلام مسؤولية وحرية......خدمة الإنسانية خدمة الكويت
هي حديث ذكريات البرجس :
وكيل وزارة الصحة
مؤسس ورئيس مجلس ادارة كونا
رئيس الوكلات العربية
ورئيس مجلس ادارة جمعية الهلال الأحمر
وعضو مؤسس في اول مجلس إدارة لصندوق التوفير
.....
حديث ذكريات البرجس في هذا الكتاب ذكرني في تلك الأيام التي كنت اجلس فيها متربعة في دوانية جدي رحمه الله اسمع لحكايات البحر،وحكايات جدي الآخر وحكايات التعليم والدراسة في الكويت
كلاهما توفي،اسئل الله لهم الجنه وفردوسها،وكلي ندم لأني لم افكر يوما بتدوين حكاياتهم وذكرياتهم الجميلة، التي هي نبراس الحاضر والمستقبل،ان كان الله من عليك بشخص كبير بالسن ذو ذاكره جيده ،استمع له ،دون حكاياته،ستسمع قصائد وحكايات وماض جميل ملئ بالحكمة والحياة والكفاح
.
.
يقول البرجس في خاتمة الكتاب:
الماضي وتجربته لم يكن قطعة منفصلة عن حياتنا،بل عنصرا مساهما في تشكيل حاضرنا،وسيكون الإثنان معا،الماضي والحاضر،عناصر تشكيل مقبل الأيام

....
وهو كذلك يا البرجس،من يقرأ الماضي يشعر بالخجل امام الكويت،تلك الصبية الجميلة البهيه التي كافحتم من اجلها ومن اجل رفعتها وسلمتوها لنا ولا نعلم هل فعلا كافحنا وحققنا شئ ما لها؟
نعم يا البرجس...الماضي والحاضر هي عناصر تشكيل مقبل الأيام، وأكثر ما يؤورقنا أن حاضرنا مؤلم مؤسف غارق بنزاعات عنصرية ورؤية غائبه وشعب اتكالي اسهل ما يقوم به هو تعليق التهم على الغير وندب الحظ والزمن لا غير
اصبحنا نعشق الكلام والحديث دون فعل او تغيير

ختاما:
شكرا للبرجس وكتابه الجميل الذي صاحبني لمدة يومين في رحلة جميلة لكويت الماضي،كويت الكفاح والجمال
ولا يسعني الا ان ادعو للبرجس ان يحفظه الله ويمن عليه بالصحة وياجره على كل عمل قام به واخلص نيته لخدمه الكويت
الله يرحم اجدادنا وامهاتنا الذين عاشوا في كويت الزمن القاسي وصبروا وصابرو على مرارة العيش بحب وبعطاء لا يضاهيه شئ
اسئل الله ان يظلهم بظله ويسقيهم من حوض نبيه ويسكنهم فردوسه الأعلى
جزاء على صبرهم على تلك الحياة القاسية



إستكانة الختام:
يا جارتـي سيعــود
بحـــــــــاري المغامـــــــــــر
يا جارتي سيعــود
من دنيــــا المخاطـــــــــــر
بالعطر والأحجار
والماء المعطر والبخـــــور
ولقـــاؤه لما يعود
كــأنــه بــدر البــــــــــــدور
:)