السبت، سبتمبر 26، 2009

الشايب والرمان

الساعه الواحدة والربع فجرا:
بدأت بكتابة هذه التدوينة في تمام الساعة الواحده والربع فجرا،أنا و وبصحبتي باديه صغيره بها عصير جوافه بارد وتسبح بالعصير حبات رمان لذيذه تتناغم بجمال مع الجوافه المقطعه
ليش اكل جوافه ورمان هالحزه؟
مادري
ربما هو اكتشافي المتأخر اني نسيت اتعشى،اضف اليه اني احب مزج الاشياء المتناقضه،فمابين الطعم الحامض لحبات الرمان وسكر الجوافه اشعر بطعم لذيذ لهذه اللحظة
!!
.
.
.
أشعر بأن هذه الليله طويلة:
بالي مشغول،والأفكار تصول وتجول،وصار لي مده وانا اكرر محاولات النوم ،وما زلت انتظر تشريف النوم
لما لا يكون لنومتي رقم هاتف ثابت ابعث لها رساله متى ما اردتها؟
.
.
.
ما زلت افكر بأحداث هذا اليوم،يومي كان قد مختلف بزياره العم الشايب المريض
:
تلك الزياره التي كنت أأجلها يوما بعد يوم بحجة أنه رجل كبير لن يذكر ابنائه ولا احفاده حتى يذكرني،كان ذلك سبب ولكن السبب الرئيسي الذي اخفيه في قلبي اني فعليا اخاف ان ازوره ومن ثم يتوفاه الله واشعر بحزن شديد وانا اعرف نفسي اذا حزنت كيف انتكس
!!
قبل اسبوعين دخل في غيبوبه طويله ،كان لها اكبر اثر سلبي على والدي،حين دخل بغيبوبه شعرت بأن اعذاري واهيه وشعرت بندم بأني لم ازره ،كان لابد ان ازوره واحتسب النيه برا بوالدي وجدي رحمه الله ورضاء للرحمن دون ان افكر هل سيعرفني او لن يعرفني
:(
.
.
اليوم بعد صلاه العصر لبست عبائتي وذهبت مع ابي لمستشفى مكي جمعه،المستشفى هادئ،والممر طويل،وطوال الممر صور للشيخ جابر وسعد رحمهما الله :
هل ترى اداره المستشفى لا تعلم ان شيوخنا توفاهم الله؟

الممرات الطويلة ،وجوه الناس القلقه المنتظرة،وزوار يروحون ويجيئون،والمرض في كل مكان،اتأمل كل شئ حولي وأفكر بكل شئ في حياتي:
هل احتاج ان افقد راحتي واستقراري وصحتي لأشعر بقيمة النعم البسيطة الجميله التي اعيشها في كل لحظه؟
اللهم ما اصبح بي أو بأحد من خلقك من نعمه فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر
.
.
.

ركبنا الاصنصير،ومن ثم اتجهنا لجناح الرجال، ومن ثم غرفته، كان صوت التلفزيون عالي جدا،وهو مستلقي على ظهره،يناظر اللاشئ،جسمه كان يبدو نحيل اكثر من اللازم ،وانبوبه تدخل في انفه للأكسجين،وابره طويله تخترق يده السمراء موصوله بكيس صغير يقطر به الماء
اجر وعافيه اجر وعافيه....لا ماشاء الله اليوم الوجه نور ما عليك الا العافيه

هكذا ابي ينشر الفرح والأطمئنان بكل شئ حوله،يقبل راس الشايب يمسح على يده،يدعي له ،وانا موقوفه مثل الصنم وراء ابي اناظر لقاءهما فأشعر بشئ من روحي يبتسم وانا ارى ابي يقرأ عليه ويدعي له :
هذا الرجل الحنون البار أبي
وهذا الرجل المدعو ابي اغلى شخص عندي بالدنيا
!!
يسحبني ابي من يدي:
عمي هذي بنتي
فيبتسم:
ما شاء الله انتي بأي صف؟
فضحكت...انا خلصت كل الصفوف اشتغل الحين
شعرت بشئ منعش وانا في الخامسه والعشرين وموظفه ويسئلني الشايب انتي بأي صف؟
وطبعا ذلك احساس طبيعي لكل بنت تتمنى دوما ان ترى اصغر من الحقيقة
:)
.
.
.

يلتفت الشايب على ابي ويطلب منه وضع كرسيي على يمين سريره،على ان يجلس ابي على يساره،يسئله ابي عن صحته فيجيب:
تعبت اليوم عن ثلاثه ايام مادري الحين عشا ولا عصر،ماني قادر حتى اتحرك،قلت حق الدكتور خلصني من الآخر متى اموت؟جان فيها موته يالله ماني خايف من شي

كان متوتر،غاضب لعدم وجود الجميع حوله،ينسى من زاره ومن لم يزوره ووظل ابي يهديه:
عمي كلها جم يوم وتطلع انت بس لو تهد هالسقاير عنك،اشلون مدخل السقاره ببايب الاكسجين؟
باللله انفجر فيك والله يا عمي انت انتحاري
يكلمه ابي وانا اتأمل ملامحه،يشبه الممثل احمد مظهر ولكنه اسمر منه،جفسه الركب،ونظرته،وسقارته التي تحدى فيها العالم ودخنها وهو متجاهل بايب الاكسجين،كل هذا جعلني رغم عني ابتسم وانا اقف امام شايب كويتي قديم بايعها وفعليا ماهو هامه حتى الموت
ويا ترى ماهي المرحله التي يصل لها الانسان حتى لا يهمه ولا يخاف حتى من الموت
!
كان ابي يتكلم وهو يتجاهل تحذيراته ونصائحة ويجفس ريله ويطالعني صامتا،فاسئله :
عمي صاير تشبه جدي الله يرحمه

فيبتسم..كان اقرب من لي
اشلون؟

ارخى ظهره على السرير ومسك يدي اليمنى،وقام يسولف عن جدي،عن الغوص ،عن ضياعهم في الهند ذيج السنه،عن العمل في المينا،وسالفه تير سالفه،اكتشفت وهو يسولف انه شايب بعمره اجمل ما يريده شخص يفتح معه مواضيع ليسولف،وكنت مستمتعه بانعاش ذاكرته وسوالفه التي وصلنا بها للغوص والحج وتزوير الانتخابات ومن ثم سوالف عن صديقه الشاعر زيد حرب...
كان يتكلم ويرى تعابير وجهي وانا اتابع كلامه وذكرياته،،واسئله،وابتسم له وفجأة تعب من الكلام وتتابعت كحاته بشكل ارعبني،ومن ثم اخرج عزكم الله شئ من فمه
:(
كنت مرعوبه لكني لم اسحب يدي التي في يده خوفا من ان اجرح شعوره،بل حاولت بقدر المستطاع السيطرة على ملامح وجهي حتى لا يبين خوفي او حتى اشمئزازي من شئ
،والغريب اني لا شعوريا وجدت نفسي امد يدي له ومسحت كل ما خرج من فمه بيدي وهو يدفعني بعيدا عنه،نادينا الدكتور،تضبطت الامور
،هدأ هو وعادت الأمور طبيعيه فعدت للكرسي حيث كنت فمد يده يمسك يدي ويقبلها وعينه تدمع وظل صامت فاهتزيت من داخلي:
من انا ليقبل هذا الرجل الكبير عمرا ومكانه يدي الصغيرة؟
.
.
.
الساعه الخامسه عصرا ،بدأ الزوار بالتوافد،حين دخل ذاك الرجل الطويل تحركت من مكاني مستئذنتهم بالخروج ،فمسك الشايب يدي:
لا ما تطلعين مامن غريب هذا فلان

انحرجت في داخلي،انا اساسا لا اعرف منو فلان،ولكن يدي المعلقه بيده جعلتني اقف مكاني،وكلما تحركت سئلني:
وين رايحة؟
فاجيبه باني لن اذهب لمكان طالما ان يدي بيده فيبتسم،رجل اخر يدخل الغرفه،اناظر وجه ابي المتوهق لوجودي بين هالرجال،ويدي معلقه بيد الشايب،تساورني ضحكة من توتر ابي،ومن يدي المعلقه،ولكن كلما وجدت وجهه مبتسم شعرت بشئ غريب:
هل معقوله ان وجودي يفرحه لهذه الدرجة؟
ما بقى شايب لم اسلم عليه،والمضحك اني لا اصافح ولكن العم كل شوي اذا شايب قالي سلمي واذا شاب سحب يدي بعيد،هذا ما يسمى بالحجاره المنتقاه،الساعه الخامسه والنصف قبلت راسه مستئذنه اياه بالذهاب فسئلني:
بتزورين عمج مرة ثانيه؟
اكيد
أي خليني اشوف وجه حلو بدل هالشيبان اللي مجابليني
ضحكت،وقبل ان اخرج سمعته ينادي ابي:
اخاف اموت،ترا بنتك امانة،مو تعطيها أي واحد سامعني يا صبي
!!
كلمته عورت قلبي،يوصي ابي علي؟
أسئل الله العظيم رب العرش الكريم ان يشفيه ويطيل بعمره
وبعدين
هل الصبي ابوي؟
لما لا يراعون برستيج ابوي كأب امام عيني
:)
.
.
.
خرجت وانا اجتر ذكرياتي في داخلي لهذا الشايب:
لعيد الذي كنت اراه فيه ،ملامحة الدقيقه،سماره الكويتي القديم،وسجارته المعلقه على طرف شفته،وصوته الجهوري الذي كان كفيل بجعلي ارتجف في مكاني،كل هذا ذهب ولم يبقى الا رجل نحيل يستلقي على سريرة يناظر الباب ينتظر من يزوره
زياره بسيطة،وابتسامه،ودعاء صادق ،وشويه سوالف اشيا بسيطة مقابل تلك السعاده التي كانت تشع من عينه ،اليوم خرجت منه انا سعيده،راضيه عن نفسي
في أحيان كثيرة تحتاج ان تتأمل بالتفاصيل الصغيره حولك
وأن تسعد بإٍسعاد من حولك سعاده يتسلل من خلالها كل النور والفرح لقلبك
.
.
الساعة الثانية وعشر دقائق:
ولم يبقى في البادية سوى حبتين رمان،وو جب علي ان اتعوذ من ابليس وانام، فغدا يوم جديدوانا بانتظار بعض الأخبار،وربما انتظاري لهذه الأخبار هو سبب قلقي هذه الليله،يارب يكون كل شئ مثل ما اريد واحسن
.
.
انتهت حبات الرمان
انتهت معها هذه التدوينة
وغدا يوم آخر
.
.
ولا ما انتهيت..
توي معك يا اجمل العمر ابتديت
.
.
.
صباح الرمان
والبدايات الجميلة