الثلاثاء، أغسطس 11، 2009

حزب التحرير

حزب التحرير مابين الشرع والدستور:
أصدرت محكمة التمييز الكويتية في تاريخ 7-7 حكمها بقضية حزب التحرير والذي قضى بمنطوقه :
بتمييز الحكم المستأنف وبراءة المتهمين مما نسب اليهم من اتهامات،ويعتبر هذا الحكم حكم تاريخي ذو دلالات سياسيه وقانونية مهمة من عدة نواحي،الأمر الذي يستوجب الوقوف امام هذه القضية وتفنيد بعض عناصرها المهمة من ناحية شرعيه ودستورية وسياسية
أولا:ماهو حزب التحرير؟
وماهي الإشكالية الشرعية مع أفكار هذا الحزب؟
ماهو الخطر السياسي الذي يمثله الحزب؟
ماهو موضوع حزب التحرير وقضية أمن الدولة؟
وماهي الدلالات الدستورية والسياسية والقانونية المستفاده من حكم التمييز ؟


أولا:ماهو حزب التحرير؟
هو تكتل وتنظيم سياسي إسلامي يدعو إلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية وتوحيد جميع الدول الإسلامية تحت ظل خليفة إسلامي واحد،ويتخذ العمل السياسي والفكري طريقا لعمله،ولذلك فهو يقسم الدول لعدة ولايات لكل منها أمير خاص
وهو حزب أصولي يتخذ القرآن الكريم الأساس الوحيد لفكرة،يحرم الدمقراطية والرأسمالية،لا يؤمن بالدساتير الوضعيه،ويرى بتكفير جميع الحكام لعدم تطبيقهم شرع الله

ثانيا:ماهي الإشكالية الشرعية بالفكر الذي يتبناه هذا الحزب؟
ممكن حصر الإشكالية الشرعية حسب وجهة نظري الخاصه بعده أمور:
أولا:
إعادة الخلافة الإسلامية ليست من صلاحيات الفرد المسلم ،لأنها من اختصاصات الحكم الذي هو ولي الأمر،والاتجاه لإعادة الخلافة منازعة لولي الأمور،الرسول عليه الصلاة والسلام كان يبايع الصحابة على أن لا ننازع الأمر أهله

ثانيا:
نهى الرسول عليه الصلاة والسلام الخروج عن جماعه المسلمين،والانضمام لجماعة اسلامية سياسية داعية للحكم هو خروج عن الجماعة الأم وهي الدولة والحاكم،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
يا رسول الله إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شر قال نعم قلت هل وراء ذلك الشر خير قال نعم قلت فهل وراء ذلك الخير شر قال نعم قلت كيف قال يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس قال قلت كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك قال تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع
الراوي:حذيفة بن اليمان:المحدث:مسلم-المصدر:المسند الصحيح،الصفحة أو الرقم:1847
خلاصة الدرجة:صحيح
وأخرج ابن شيبة في المصنف والخلال في السنة بإسناد جيد عن سويد بن غفلة،قال:
قال لي عمر رضي الله عنه:
يا أبا أمية ،إني لا أدري لعلي لا ألقاك بعد عامي هذا،فإن أمر عليك عبد حبشي مجدع،فاسمع وأطع،وإن ضربك ،فاصبر،وإن حرمك فأصبر،وإن أراد أمرا ينقص دينك،فصل :سمع وطاعة،دمي دون ديني ،ولا تفارق الجماعة

والمستفاد من هذا الحديث وجوب عدم الخروج عن الحاكم ومفارقة جماعة المسلمين درءا للمفاسد ولو كان الحاكم ظالم، وغير مطبق للشريعة،لذا فمن باب أولى وجوب طاعته في دولة اسلامية الشريعة مصدر رئيسي في دستورها،والدين جزأ لا يتجزأ من قوانينها

ثالثا:
الخلافة الإسلامية لم تكن الا بزمن الخلفاء الراشدين،ومن ثم انقسمت الدولة الإسلامية لدول والواجب الشرعي ان كل إنسان يسمع ويطيع في دولته
رابعا:
رابعا لا توجد آيات قرآنية ولا أحاديث تلزم الناس بالدعوة للخلافة بذاتها،بعكس التوحيد مثلا ،فكل القرآن والسنة النبوية تدعو لإقامة شرع الله والتوحيد ،وإقامة الشرع في هذا الزمن ليس بانقلاب على الحكام واعاده دولة الخلافة

ثالثا:ماهو الخطر السياسي الذي يمثله هذا الفكر على الكويت؟
الخطر السياسي واضح من خلاله الإجابة على سؤال:
كيف ممكن اعاده الخلافة الاسلامية؟
فإعادة الخلافة تكون بالضرورة بالانقلاب على الحاكم والسلطة التنفيذية بأكملها
ونظرة على واقع الحزب في الدول الأخرى وإيمانه بنظرية المؤامرات وتكفير الحكام،
وكتاباته حول المساعدات المالية التي تقدمها الكويت للعراق واعتبارها ليست الا محاولة الكويت لتكفير ذنب مساعدتها لأمريكا ومساهمتها بتدمير المراقد الطاهره والمساجد وأماكن العبادات،كفيل بإيضاح مدى الخطر الذي يحمله هذا الفكر على أمن الكويت واستقرارها متى ما انتشر فيها

رابعا:ماهو موضوع حزب التحرير وقضية أمن الدولة؟
-1-
أسندت النيابة لأعضاء الحزب ثلاثة تهم:
انشاء حزب محظور يسعى للإستيلاء على سلطان الدولة من أجل انساء نظام دولة آخر
وتهمة السعي للسيطرة على سيادة البلاد واستقلاليتها،
وتهمة الإنقلاب على نظام الحكم المنصوص عليها بالدستور
وبنت اتهامها على أقوال وتحريات النقيب دون وجود دليل مادي ملموس،والأمر الى الآن لم يكن يتعدى مجرد أفكار واعتقادات يؤمن بها اعضاء هذا الحزب دون ان يكون هناك أي تحركات مادية لأي انقلاب،
ولأن الأحكام الجزائية تبنى على القطع واليقين ولا تبنى على مجرد الشك والتأويل ،برئت محكمة أول درجة أعضاء الحزب فكل شك يفسر لصالح المتهم في الدعوى الجزائية
-2-
استئنفت النيابة العامة الحكم،فألغت محكمة الإستئناف الحكم ببراءة المتهمين ورأت في حيثياتها:
ان المتهمين قد اقترفو ذنبا بتوزيع المنشورات الداعية ليكون هناك خليفه إسلامي واحد وهذا لا يصلح لأن يكون في الكويت لأن فيه دعوة للانقلاب على نظام الحكم ،كما انهم يرون ان الكويت ولاية وليست دولة
-3-
تم تمييز الحكم،وتصدت محكمة التمييز للموضوع في سابقة نادرة وقضت بتبرئة المتهمين من جميع التهم ووبنت حكمها على أكثر من سبب:
أولا :دستوريا
دين الدولة هو الإسلام،والشريعة مصدر رئيسي للتشريع،وحرية الاعتقاد مطلقة،وتحمي الدولة حرية القيام بشعار الأديان طبقا للعادات المرعية،على أن لا يخل ذلك بالنظام العام،ونشرة بالقول او الكتابه وفقا للشروط التي ينص عليها القانون
ثانيا:
عدم كفاية الأدلة وأقوال ضابط الواقعه لوحدها ليست دليل كاف للاتهام.


ماهي الدلالات الدستورية والسياسية والقانونية المستفاده من الحكم؟
أولا دستوريا:
ينص الدستور الكويتي في المادة 44 ومن ضمن الحريات الفكرية على حرية الاجتماع وتكوين الجمعيات،ولكنه لم ينص صراحة على حرية تكوين الأحزاب السياسية فالنص المذكور لا يلزم بحرية الأحزاب ولا يحظرها ولكنه يفوض المشرع العادي أن يأمر بذلك او ينهاه،وهذا دلاله على بعد النظرة التي يتمتع بها مؤسسي دستور الكويت،فإن كان المجتمع الكويتي غير ناضج انذاك لوجود الأحزاب السياسية فقد يكون ناضج يوما ما لوجودها ويعتقد بضرورتها،لذا فالدستور الكويتي لم يمنع وجود الأحزاب ولم يجيزها وتركها للظروف السياسيه وللتطور والنضج السياسي في الكويت،فجعل الحكم موارب متروك للواقع السياسي والقانوني
وحكم محكمة التمييز بقضية حزب التحرير ومن قبله حزب الأمة جاء ليعترف بوجود الأحزاب السياسيه كواقع غير منافي ومخالف للدستور والقانون وذاك اعتراف مبطن بشرعيتها ودستوريتها كذلك
ثانيا قانونيا:
عدم إقرار قانون الأحزاب يجعل أي قضية متعلقه بأي حزب يحكمها عدة مواد متناثرة مابين قانون الجنسية الذي ينص على سحب الجنسية لمن ينضم لهيئه تعمل على تقويض النظام الاقتصادي والاجتماعي ولا يعاقب على الانضمام لهيئة سياسية،ومابين قانون توارث الأمارة،وقانون الجزاء الكويتي،الأمر الذي يستوجب معه حاليا صدور قانون الأحزاب بشكل محكم ينظم عمل هذه الأحزاب بشكل شرعي وقانوني.

ثالثا:
كفالة الدستور الكويتي للحريات،وانحياز محكمة التمييز لحرية الفكر والإعتقاد شاهد على نزاهة القضاء الكويتي ودليل واضح على ارتفاع سقف الحريات ،ففي الوقت الذي يعتقل فيه أعضاء حزب التحرير في تونس والعديد من الدول،حكمت محكمة التمييز على براءئتهم ولم تكتفي بأقوال مرسلة لا تبنى على يقين


ختاما:
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه،وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه

وإن كنا نتحفظ على فكر حزب التحرير ونختلف مع مبادئة وافكاره،ونرى خطورته متى ما تم انتشاره،الا ان ذلك لا ينفي حقيقة أن حكم محكمة التمييز في قضية حزب التحرير وتبرئه اعضائه ،نقطة تحسب للقضاء الكويتي ونزاهته ودلاله على ارتفاع سقف الحريات الفكرية في دولة الكويت.و ترسيخ لشرعية وجود الأحزاب السياسية ودستوريتها،وضرورة صدور قانون الأحزاب بأسرع وقت لتنظيم وجود هذه الأحزاب وممارستها من خلال إطار قانوني سليم

استكانة
:)