الجمعة، أغسطس 07، 2009

الجزء الأخير...تحرير


يقول غازي القصيبي:
أٌقسمت يا كويت
برب هذا البيت
سترجعين من جحافل التتار
حمامة رائعه كروعه النهار


طوال فترة الغزو العراقي لم ينقطع العم عبدالمجيد العراقي من زيارة حمد وإخوان في الفيحاء،وقد كان صديقا لوالدهم الغائب في الرياض، فرغم جنسيته العراقية ولهجته الواضحة،الا إنه لم يتنكر لكويت آوته شابا وكبر وعاش في كنفها عزيزا
أما أحمد المهندس الفلسطيني زميل عزيز بالعمل،فقد كان هو الآخر وسيلة آمنه يتنقل معه عزيز وناصر في كل مكان طوال فترات حظر التجول على الكويتين
نعم،غدرت بنا شعوب،ولكن لرقي أخلاقنا:
نحن لا ننسى الوفاء لمن لم يتنكر للكويت
ونحن لا ننكرالحقيقة،:
ففي كل شعب يظل هناك خبيث وطيب، وإن طغى الخبث على كل من غدر بالكويت
.
.

رحلت سنة 1990 بصمت باكية على حال الكويت،وأقبل يناير 1991 يحمل بشائر الخير،ففي السابع عشر من يناير بدأت الحرب الجوية لتحرير الكويت،فانتقلت العوائل وتجمعت في سراديب البيوت الكبيرة،تحتمي عن صوا الطائرات وهجوم الصواريخ الكبيرة

الكويت 25 يناير 1991،سرداب بيت الروضة:

بعد صلاة العصر نادت حنان ابنائها فهد ذو السنوات الثمانية،ونورة ذات الست سنوات،بينما كان حمني الصغير ينام بجانبها:
تبون العراقين يروحون؟
فهد:
إي يمه انا اخاف اخاف متى يروحون؟
راح يروحون لما تيي طيارات وايد ،وتحرر الكويت،ولما تيي الطيارات احنا كلنا نقعد يم بعض
نورا:
انا ابي اقعد يمج
بنقعد يم بعض،بس يمكن يطيح صاروخ،او يصير شي بهالبيت،وما تشوفوني انا وبابا حمد ....انتو صارخو صارخو لما يسمعونكم وياخذونكم بره
فهد:
وانتي ماما وين بتروحين؟
تبتلع عبرتها:
بكون موجوده بس يمكن ما اشوفكم،يمكن يطيح البيت،انت فهد ريال ناد نورا ،حذفو صخر أي شي بس احد يسمعكم وتطلعون بره البيت

خافت حنان ان تؤدي الحرب لشئ اكبر من ما تتخيل،خافت ان يكون هذا البيت مجرد حطام فوق رؤسهم،ان تموت ويبقى اطفالها ايتام من بعدها،فهد الصغير لم يستوعب حقيقة هذه الأمانة بحمل اخته معه،ونورا الصغيرة لم تستوعب او ربما لم تكن تريد ان تستوعب:
يمة انا مابي فهود كله يطقني ماحبه
تحضنها امها وتحضن فهد:
ميخالف تزعلون من بعض بس انتي اخته اهو يحبج
وحمني يمة انا ابيه،يمه ليش ما نموت كلنا ويا بعض؟

تحضن ابنائها ووتبكي بكاء مرير:
فما ذنب اطفال في هذا العمر ان يعيشو كل هذا الروع؟
وما ذنب الأم ان تعيش في كل ليلة خوف لحظة تفقد فيها زوجها او احد اطفالها الصغار؟

في تلك الأُثناء دخل حمد البيت بصحبة عزيز بوجه قلق متوتر:
لا حول ولا قوة الا بللله
دخلت علينا حرمة بالمسجد تصارخ تقول العراقين يمشون وياخذون بهالشباب
!!
وطلع الكل من المسجد يركض للبيت

مع قرب نهايتهم،لم يكتفي الظالمين بحرق الآبار النفطية،بحرق الوزارات والمباني،بل حرقوا حتى قلوب البشر عندما بدأوا بأسرالشباب من المساجد والطرقات وكل مكان محاولة منهم لتكوين درع بشري يمكنهم من المساومه في لحظات الحرب الأخيرة

ومع ازدياد حملة الأسر استقر الكويتين في السردايب،وحل سكون الخوف والوحشة كل الشوارع والطرقات،
ومتى ما حل الليل صعدو للسطوح يناظرون الصواريخ والطيارات واشتعال النيران في كل مكان
وفوق السطوح ناس تصرخ:
الله وأكبر
الله وأكبر


الكويت 26فبراير1991:

صوت الدبابات يقطع سكون الصباح،ودوي المدافع يهز نوافذ الكويت،وصباح آخر تبكي فيه السماء فرحا :
تحررت الكويت
!!

يركض ناصر كالمجنون،يدخل للسرداب حيث ينام الأطفال ويصرخ:
قوم فهوووود،قومي ام النووووووووووووور....تحررت الكويت

حمد وعزيز يفتحون الباب يركضون لا يدرون الى اين
حنان وايمان يقفون على باب البيت ويرتفع صوت اليباب
والدموع
والبكاء
وتخرج الروضة كلها الى حيث الشبك وشارع الملك فهد الفاصل مابين حولي والروضة ليروا الكويت
جيوش التحالف
الدبابات
أعلام سعودية،بحرينية،عمانية قطرية وإماراتيةومصرية
يرفع حمد ابنه الصغير حمني للسماء ويرجعه لحضنه
وايمان تفقد سيطرتها على نفسها،تفتح كل بيبان الجيران وتحضن كل من يواجهها

في ساحة العلم:
انتقل الجميع بعد تلك اللحظة ليشهدوا لحظة رفع علم الكويت ،تلك اللحظة التي افقدت الجميع صوابه:
مابين رجل يرقص،
واخرى تيبب في وسط الرجال
ورجل يبكي
وإمرأه تحضن كل الامريكان
لاأحد اهتم:
هل كان يرتدي بجامته؟
هل غير ملابسه؟
هل مشط شعره؟
لاأحد يذكر سوى:
فرحة صادقة عفوية،ودموع فرح من عيون الكويت،وسماء تمطرسعادة،
وفرح يشرق من جديد رغم سواد الدخان والغدر وكل ما كان
.
.
وطني
وطن النهار إنت النهار يا وطني
إنت الأمل لي هل
وانت النهار لي طل
آه.. آه.. يا وطن يا وطن
يلي إنولدت من جديد
إنت محيط الأرض يا موج البحار وطن النهار
وياك آه عبرت الزمن عبرت الزمن
الله إشكثر يا كويت اشكثر يا كويت
قلبي خفق يا كويت يا كويت
شلتك بيوفي وطن.. وطن
قلبي خفق يا كويت يا كويت
وياك آه آه عبرت الزمن.. عبرت الزمن
الله إشكثر يا كويت يا كويت
وياك آه
قلبي خفق يا كويت يا كويت إنت الوطن بس إنت..
إنت الأصل بس إنت
إنت الحياة بس انت..
غصبن على الآلام ترجع وطن من جديد
.. آه.. آه.. آه..
يا وطن يا وطن يلي إنولدت من جديد
إنت محيط الأرض يا موج البحار وطن النهار..
وطني وطن النهار
............

و بعد ثلاثة أيام من التحرير:
خرجت عائله حمد واخوانه متوجهة للرياض لترد روح أبوهم وتقر عيني أمهم من بعد الفراق
وبعد اسبوع من التحرير :
عاد الأسرى مشيا على الأقدام من البصرة الى صالة شيخان الفارسي بالسرة حيث كان العودة واللقاء،اسرى عادوا في ذاك اليوم أحياء،وأسرى ظل مصيرهم مجهول
!!
بعد التحرير
عاد جابر الخير رحمه الله للكويت،ففتحت يدها له ،حضنتته شوقا،ومسحت دمعاته الشريفه التي هزت الأمم المتحده في يوما ما،عاد فسجد شكرا،وسجدت الكويت كلها معه فهو الأب وجابر القلوب رحمه الله
بعد التحرير:
صرفت معاشات للكويتين،وعاش الكثير منهم لفتره خارج الكويت،ثم عادوا لأجمل بلد وبدأت سنين الدمج الدراسي،وإعادة تعمير الكويت وتضميد جراحها
وراجعين يا أغلى بلد يا كويتنا يا الحبيبة
يا أغلى مافي الوجود
يا أغلى مافي الوجود
.
.
.
بعد تسعه عشر عاما على غزو الكويت،
وشخبار عائله ابو حمد؟
أبو حمد :
فقد بصره في الشهر الأخير من غزو الكويت،ومات في سنة 1998 بعد صراع مرير مع الجلطات التي بدأته من فتره الغزو على الكويت،
ام حمد :
مستقره في بيتها العامر في الفيحاء بعد ان زوجت جميع ابنائها وفرحت بهم وبعيالهم
وظلت دلال عندها :
لم تتزوج وقد تجاوزت اليوم الاربعين سنه
فمن بعد استشهاد يوسف طوت فستان فرحها،وعافت الزواج وظلت تحت ظل امها ،تبرها وتهتم فيها
وحمد وحنان وابنائهم؟ :
تقاعد حمد وزوجته حنان،فهد بكرهما في السابعه والعشرين من عمره مهندس في احد شركات الكويت،حمني الصغير بات رجلا يدرس في جامعه الكويت،وام النور المشاكسة الصغيرة؟
اصبحت بالخامسة والعشرين ،تجلس الآن امام شاشة اللاب توب وتكتب لكم من مدونتها استكانة
:))

والكويت؟
هي هنا،الحقيقة الثابته ولو تغير كل شئ
هي هنا:
الأم الحنون والحضن الذي يجمعنا جميعا
كويت بناها الأجداد،وحمل رايتها الأباء،واستشهد لأجلها الرجال والنساء،
ماذا فعلنا نحن من أجلها؟
هل استوعبنا درس الغزو جيدا؟
هل وعينا أهمية الإيمان انه رغم اختلافنا سنة وشيعه بدو وحضر،الا اننا جميعا في مركب واحد يجمعنا هو الكويت،
مركب ليحفظ توازنه يحتاج وجودنا جميعا جنبا الى جنب بعيدا عن نيران العنصرية،ومرض القبليه الذي بات ينخر في وحدتنا واستقرارنا
!!
هل مقاومتهم ونضالهم ذكرك بأن هذا الوطن يحتاجنا جميعا كل في مكانه؟
،فالأموال التي استئمن عليها حمد واخوانه هي كذلك اموال عامة،كانت للشعب وصرفت للشعب،وإن كنا نؤمن بحرمه هذا المال فعلينا ان نحفظه كل في مكانه ،في وظيفته ،في عمله ،وفي امانته
هل أيقنت حكومتنا وفاء شعبها لها؟
فرغم كل الظروف السياسيه قبل الغزو الا اننا شعب وفي التفينا حول حكومتنا ولم نرضى سواها ،وهي كذلك لم
تخذلنا،فحافظت على وجودنا وسعت لتحريرنا لتعود شرعيه وجودنا ودولتنا

وهل تأمل بعض من يتندر على مساجدنا وايماننا ،وجمعياتنا الاسلامية ان هذه الديرة حفظت بإيماننا،بصدقاتنا،بالأيادي البيضاء التي مدت من خلالنا،بصلاه الجماعة،وببيوت ذكر فيها اسم الله

هل علمنا الغزو حقيقة ان لا نلدغ من الجحر مرتين؟
بعد مرور الزمن،قد نتجاوز عن بعض الأمور لكن مستحيل ان ننسى كل الألم والغدر،مستحيل ان نعود نفتح ديرتنا وابوابنا لمن مازال يحمل لنا الحقد والغدر،مستحيل ان نضحي بحق من حقوق الكويت بأي شكل كان
.
.
بعد تسعه عشر عاما:
،تمر علينا في كل يوم بالكويت مشاكل كبيرة،وأزمات واختناقات، قد أحزن ،قد اتضايق ولكني اخجل أن أيأس وافقد الأمل،واستذكر في كل يوم قلوب عاشت وماتت في هذا الوطن ولم تفقد يوما فيه الأمل
بعد تسعه عشر عاما:
،يضايقني الغبار،اتملل من كل مكان،اتحلطم على سموم الكويت وزمهريرها ا
ولكن في لحظة اغمض عيني ،استشعر لحظة افقد فيها هذا الوطن فانتفض واقول:
الحمدلله على كل شئ
الحمدلله على نعمة الأمن والأمان
وعلى الوجود في هذا الوطن
.
.
.
ختاما:

تذكرو لي مشيتو
والدنيا معكم رخية
والدنيا معكم رخية
تذكرو من بناها
يوم الليالي عصية
يوم الليالي عصية
وصية اللي سبقوكم
والدار معكم وصية وصيه

حتى لا ننسى...الصور