الأربعاء، أغسطس 05، 2009

الجزء الثالث...أسرار وفايق ..والحب الكبير

الجزء الثالث..أسرار وفايق والحب الكبير
.
.
يقول خالد الفيصل:

كيف ننسى الكويت ومن نساها
باكر تشوف من ينسى خويه

كان للغزو العراقي جانبا ايجابيا،ككل الشدائد التي تمر علينا ،تكشف حقيقة من حولك وتعرف من خلالها صديقك من عدوك،أزمة الكويت كانت سبب لتعرية الحقائق واضحة كاملة دون تعديل ولا تورية،فذاك شعب نأويه بين ضلوع وطننا،نؤمن بقضيته ونضاله،ونمنحه جزء غير بسيط منا،يغدر بنا ويمعن في طعننا،وشعوب أخرى فتحت لنا قلوبها قبل بيوتها،حضنتنا وراعت ذل ضياعنا
.
.
انتقل أبو حمد وزوجته وابنتيه دلال وبشاير إلى الرياض كحال العديد من العوائل الكويتية التي فضلت الاحتماء بالخليج العامر الوفي والبقاء قريبا من الكويت بأي شكل من الأشكال

..
..

الرياض، الحي الدبلوماسي، العاشر من نوفمبر 1990:
---------------------------------------------
يارب أغلقت الأبواب إلا بابك
وانقطعت الأسباب إلا إليك
ولا حول ولا قوة إلا بك
اللهم يا جامع الناس في يوم لا ريب فيه ،اجمع مابين وبين عيالي
اللهم يا راد يوسف لأبيه يعقوب رد لي عيالي وديرتي

يبلل الدمع موضع سجودها،ويخنق الحزن عبرات خشوعها،ترتجف أم حمد وتكمل صلاتها باكية
كثيرا ما أشفق أبو حمد عليها من كثر البكا،يود لو يخفف عنها ويصبرها،ولكن فاقد الشئ لا يعطيه،
كيف يهدأها وفي داخله قلبا يذوب ألما وافتقادا؟
كيف يرتاح وقد انقطع اتصاله بأبنائه وأحفاده في حضن وطن مسلوب؟

هناك في بيت الرياض ذو الأسوار العالية ،كانت دلال في الصالة بصحبة ندى ابنة خالتها المستقرة عند أقاربها بالرياض،تقلبان القنوات،ويتتبعن الأخبار هنا وهناك،وفي وسط معمعة الأخبار وتضاربها يقطع الصمت بينهما تنهيدة دلال،تلتفت عليها ندى:
اشفيج دلول؟
تتعلق دمعة برمش عينها،ويخرج صوتها متهدجا مرتجفا:
الوله يتعب؟
أنا تعبني الوله
!!
ولهانه على بيتي وداري،ولهانه على إخواني،وعلى حمد ومرته،على عياله،على نوره الصغيرة تناديني عميمه دلي،ولهت على الخالدية ،بيتزا العالمية،ماريوت السفينه،وشاليه ضباعيه وسهرنا،ومسحور وانتي بعيونج لي وطن
تذكرين؟

إييييه أذكر اشلون انسى؟
:البحر،والمساند،ينون ناصر اخوج،وسعود ،ومسجله خالتي فوزيه الدعمه
وسهارى سهارى والليالي طواااال

تختلط دمعتهما بابتسامة ذكرى وغمزه من عين ندى:
بس عليج الله بس هذا اللي ولهتي عليه؟
فتنهمر دموع الحزن :
آه يا ندى،انا ذايب قلبي
يوسف من وصلنا الرياض ما وصلني منه خبر،صار لي جم يوم احلم فيه يقبل علي بهيبته ،بطوله وويهه كله نور،يسلم علي ويروح،ناقزني قلبي يا ندوي

إن شاء الله بيكون بخير لا تحاتين وايد

اهو كان متفق ويا أبوي نملج قبل الصيف،إنا صممت نملج عقب ما أجهز،جهزت كل شي ،ورتبت معاه كل شي بحياتنا،بس ما كنت ادري بيكون هذا حالنا وهذي حال ديرتنا ،بيوم وليله انعفسنا جني بحلم مو قادره استوعب شي
تعوذي من إبليس،ماكو إلا العافية هذي مداخل إبليس، بعدين تعالي ترا الأم اهي اللي ينقزها قلبها وتحس بولدها،مو العروس ينقزها قلبها وتحس بللي تحبه
:)
بعين اختلط بها الخجل بالدمع ابتسمت دلال:
بس أحنا غير
تصدقين انا وياه نحس ببعض،اذا تعبت اهو يحس،وانا بعد اذا تضايق احس فيه
!!
،وتبتسم ندى محاولة تشتيت تركيز حزن ابنة خالتها وحبيبتها دون ان تبين ذاك القلق الذي يساورها
..
..
..

الكويت،االفيحاء، يناير1991:
----------------------------------
سماء ملبدة بغيوم الغدر، وأمطار متفرقة تختلط بدخان الآبار المحترقة فتنهمر دمعا من عيون سماء الكويت

عصر ذلك اليوم كان حمد مع إخوانه عزيز وناصر في غرفة والدهم أبو حمد
ينشر حمد رزم النقود التي وصلتهم من الحكومة ،وعزيز يوزعهم حسب العوائل:
أمية حق بيت مطلق
أمية حق بيت علي
أمية حق بيت خالي
تلف كل رزمه لوحدها،وتترك النقود ممده على السرير ويقفل الباب على إن يتم توزيع هذه النقود فجرا
في المساء، دخل عزيز بعيون محمرة من الدمع يزف لإخوانه البشرى وهو فرح ومتألم في آان واحد:
أسرار القبندي استشهدت،
ثلاث رصاصات ،ومنشار كهربائي قطعوا فيه جبينها،وطلعوا مخها
قتلوها جدام أبوها وأهلها وعلقوها
!!

هكذا استشهدت ،قطعوا جبين لم يرضى بالذل،وأخرجوا مخ كرسته لخدمة الوطن بكل شكل من الأشكال،قتلوها جسد،وظلت روحها هنا في كل ضاحية بالكويت
تنتحب إيمان وقد كانت صديقة لأسرار، وترتجف حنان معها، ويسأل الرجال بعضهم البعض:
شخليتي لنا يا أسرار؟
نعم كان مساء مختلفا،انحنت فيه الكويت كلها إجلال واحتراما لإمرأه سيخلد التاريخ ذكراها على جبين الزمن

مع وصول خبر اسرار وتأخر الوقت،نام الجميع يحتضنون الأمل والخوف، وصورة أسرار في عيونهم،وذكراها في قلوبهم ،وقصة كفاها تنام وتستلقي بجانبهم::
كيف عاشت لهذا الوطن،؟
كيف كانت الوسيلة لنقل إخبار الكويت للحكومة المؤقتة في الخارج؟
وكيف نقلت كل معلومات الجنسية والخدمة المدنية بشجاعه،؟
وكيف هو حال أبيها الذي قتلت امام عينه؟
أسرار وقصة كفاح لا تحصيها الكتب
.
.
.

صحى حمد الساعة الرابعة فجرا على طرقات الباب ومحاولات كسره من قبل بعض الجنود،نورا الصغيرة تتفزز وابنه يركض وراءه إلى باب البيت:
نعم؟
تفتيش
تفتيش هالحزه؟
أي يابا هالحزه وكل حزه
لا مراعاة لحرمة البيت،يتخفي النساء وراء الأبواب ويبدأ التفتيش،نورا الصغيرة تطل على أبيها وتصيح:
يبه لا تلوح أخاف ياخذونك
يبتلع عبرة ألم ،يغلق على زوجته وأبنائه الباب،يبدأ التفتيش،ويبدأ معه الاستغفار والتسبيح،وكلما اقتربوا من غرفة أبو حمد حيث نشرت النقود،شعر حمد بقرب النهاية،ومرامامه شريط ذكريات حياته:
أبوه، تخرجه، زواجه...فرحته ببكره وعيون نورا ابنته
تبدو اللحظات ثقيلة،والخوف مرتعد،ويد عزيز اليمنى ترتجف،أحذيتهم تلطخ المكان،ووقاحتهم تتعدى لسرقة أي شئ كان،يصلون لغرفه أبو حمد فتحبس الأنفاس
.
.
مافي شي سيدي
!!!!
يتبادل حمد وناصر نظرات الاستغراب،فأين ذهبت النقود؟
يخرج الجنود ويخر عزيز على الأرض ساجدا:
سبحان اللي صحاني قبل لا يدخلون بنص ساعة،خذيت الفلوس كلها وحطيتها بالفرن المكان الوحيد اللي ما فتحوه
يخر ناصر على الأرض ساجدا، ويحتضن حمد أخيه عزيز
:
فهل حفظهم من بطش العدو نقاء سريرتهم وبرهم للكويت؟
أم هو دعاء أم بعيده لم تنسهم في جوف كل ليل؟



الكويت 10 يناير،1991
--------------------------
مع أذان المغرب
انتهت حنان زوجه حمد وإيمان من غسيل الملابس:

واي تشققت أيدي من هالتايد،وين تنظف الهدوم والهواء اسود
جذي غسال الهدوم يتعب؟
عمار يا تارا،الله إني هلكتها غسال،هذي حوبتها
تظل حنان تثرثر مع إيمان تارة، ويتشاجران تارة أخرى، يبكيان،ويكرران السوالف مرات ومرات أخرى،تجربان طبخات جديدة،تمارسان تلك المشاغل البسيطة التي لم تسعفهم الحياة تجربتها فيما سبق
.
.
الله أكبر الله أكبر
أشهد أن لا إله إلا الله
وأشهد أن محمدا رسول الله

يرتفع صوت الأذان بصوت حمد من المسجد القريب من البيت،فيقطع وحشه الليل والخوف،ويخرج كل رجال الفريج وشبابها للصلاة للمسجد وراء حمد ،يفتتح بالفاتحة ويقرأ من بعدها:

فتتنزل رحمة الله عليهم،وتسري السكينة في قلوبهم ،ويزداد بهم اليقين ،رغم الخوف والضياع تبقى الحقيقة إن كل الأمر بيد من أمره كاف ونون سبحانه،تنشرح صدورهم وقد وعدهم الرحمن :
إن مع العسر يسرا

جموع المصلين،وعيون دامعة ،وأيدي ترتفع بالدعاء،وديرة محفوظه بدعاء الصالحين،وبعطاء المتصدقين،وبمن ذكر الله بالرخاء فلم ينساه بالشده،جموع المصلين والذاكرين :
وهل نحتاج الحزن لنجدد علاقتنا بالرحمن؟
وهل نحتاج المصيبة لنيقن إن لا مخلص ولا منجأ إلا من الله؟


الرياض،الحي الدبلوماسي،15 يناير1991:
---------------------------------------
للكلمات وقع السحر في القلوب،تحركها وتستنهض هممها وتنفض اليأس فيها،هذا ما آمن فيه شاعر الكويت فايق عبدالجليل،فآثر الصمود في الكويت،وظل يكتب في عشقها وحبها وينشر قصائده مابين أبنائها ليستنهض أملهم برجوعها،ووفي اليوم الثالث من يناير1991 تم أسر شاعر الكويت فايق عبدالجليل
بعاد كنتم ولا قريبين
المراد انكم دايم سالمين
!!
بشاير البنت الصغرى لأم حمد تقرأ الخبر وتقاوم عبرتها،ذاك فايق فاق كل من حوله بصبره وصدقه ووفائه ،أحب الكويت قولا وفعلا،تقرأ بشاير الخبر،وأم حمد تتحاشى دموع ابنتها منشغلة بقليل من الثرثرة مع من حولها،وعيون ندى على دلال الساهمة في عالم آخر،تدخل عليهم في تلك الأثناء أم فهد فيرحب بها النساء:
حيالله أم فهد....جاي يا بشاير

ولكن ملامح أم فهد لم تكن تدل على رغبة بشرب جاي أو أي شئ آخر،جلست في وسط الصالة ،فباغتتها أم حمد:
اشفيج أم فهد جنه عندج خبر؟
تتنهد وتلمع عيونها:
عندي بشارة
وي جان بخت ودنا بالبشاير
وحدها دلال كانت صامته وشئ مافيها يرتجف،تقبل عليها أم فهد فتمسك يديها وتبتسم:
يوسف...يوسف سبقنا للجنة
.
.
.
يعجز الصبر عن حمل الحزن،تدور بها الدنيا،وتتراءى أمام عينيها الصور:
الكويت..الأبراج..البحر..عيون يوسف..أول حب..صديقات ثانوية الجزائر
مسحور وأنتي بعيونج لي وطن...نفنوفها اللي يحبه..عيد وطني..سناء الخراز..تخرج يوسف...خطبتها..ونفنوف عرسها
..
يوسف تحبني؟
أحبج .. أحبج كثر ما يحب القطو الصبور
واي يووووسف
شتبين بعد؟
دلااااااال ومدللج ..غلا ومغليج
.
.
أحلام لعرس كبير،وشهر عسل وأطفال وبيت ودنيا وعمر
.
.
دلول خلينا نملج سبعه سبعه
!!
وابتسامة دلال:
لا لا ما يصير بسرعه جذي
.
.
وغاب
وغاب معه احساسها ،احلامها ،والفرح
أحبها بصدق،وكان حبه للكويت هو الصدق بذاته
لم تزف له عروسه،وعوضه الرحمن بحور الجنان
غاب..ولم يبقى لقلبها عزاء سوى وعد الله لشهدائه:
.
.
بسم الله الرحمن الرحيم:
وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ *
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ
.
.
.
شباقي؟
الكويت ،السابع عشر من يناير:
بدء الحرب الجوية
.
.
قريبا...الجزء الرابع والأخير بإذن الله
:)