الاثنين، أغسطس 03، 2009

الجزء الثاني..الشفرة

الجزء الثاني..الشفرة:

ما تهون الديارلمن بغاها..دونها الموت ورجال عصية
كل نفس تبي تلحق جزاها..وكل نية لراعيها مطية


(1)

للصدمة الأولى أثر واقف
تفجعك،تؤلمك،وتجمدك في مكانك دون حراك واقف،
كل الصدمات تحتاج مساحة وقت وزمن ليتم استيعابها،وهذا ما حدث،فبعد الصدمة الأولى للإجتياح لغاشم وزحف الجيوش الغادرة لأراضي الكويت الطاهرة،هز الواقع أكتاف صدمتنا وبدأنا باستيعاب الصدمة
..
..


الكويت،العديلية،سبتمبر1990،الساعة الرابعة عصرا:

كل التليفونات مراقبة،مسكي لسانج،مو تطبين بأحد ونروح وطي

سمعت الخالة فوزيه تحذيرات زوجها سعود بقلب مرتعد،وخوفا من أن تجر من عتراها لأحد السيطرات العراقية الوحشية طبقت تحذيرات زوجها سعود تطبيق سريع وفوري ،وكان اول تطبيقات مسكة اللسان مع ابنة اختها حنان في ذاك الاتصال المسائي المهموم
حنان:
شفتي يا خالتي حالتنا؟ حمد طالع وقفوه بالسيارة قالوا ما تمشي فيها ولوحاتها كويتيه،والبارح دشو علينا خذوا البيت كله ،والسيارة ،يا عل ربي ما يوفقهم يعل ربي يأخذ صداموووو
.....
وتقاطعها خالتها فوزية سريعا:
لا يا حنان افا عليج بس،هذيله حبا يبنا وأهلنا،وصدام فوق راسنا من فوق
تتبقق عين حنان :
هاو خالتي اشفيج؟
شفيني؟
مافيني شي،الحين أنتي ما تدرين إنا شكثر أحب غناويهم،وهوايه نحبهم
ويا حية يا أم راسين طبي بجدرهم..سمي لي أهلي البيت وخلي لي ولدهم
ولا سمعي تذكرين عرسج؟
نيشان الخطوبه منو حطها؟ انا حطيتها احب غناويهم يا حلوهم
وهذا الحلو جاتلني يا عمة..فدوة شقد أحبه وأريد أكلمه
مع غناء خالة فوزيه المرتجف،أغلقت حنان الهاتف بفاه مفتوح ملتفته لزوجها حمد بعيون مشدوهه:
حمد خالتي صارت مينونة تغني وتطق إصبع
!!
ههههههه،طلعت ام يوسف خرطي جبانة

نوبة ضحك من زوجها حمد، يعقبها نوبة بكاء من حنان..وشر البلية ما يضحك

(2)
الكويت،الخالدية،سبتمبر 1990،الساعة الثامنة مساء:


بعد تطور الأحداث الأخيرة،قرر حمد أن يظل في بيت الخالدية هو وزوجته وأبنائه ،ويظل معهم في البيت إخوانه ناصر وعزيز،وأخته إيمان وزوجها فهد،كان العدد قابل للازدياد،فوجودهم مع بعض في بيت واحد كأن أأمن لقلوبهم في وقت أصبحت فيه الهواتف مراقبه والانتقال من مكان لآخر صعب

يجلس فهد في زاوية الصالة متكئا على المسند الكبير محاولا الاتصال بأخته وزوجها في مشرف للاطمئنان عليهم،ترد عليه أخته موضي بإجابات مقتضبة،يحاول طمنئتها والكلام معها،وبينما هو كذلك ثبت سماعه الهاتف بين إذنه وكتفه محاولا إشعال سيجارته بالولاعة ،فسقطت ولاعته داخل الاستكانة
!!
ابعد سماعه الهاتف عن فمه وهمهم لزوجته:
إيمان الولاعة طاحت بالاستكانة...وأشار لها بحمل الاستكانة بعيدا عنه
فترد أخته بحماس:علم علم يا فهد ...وتغلق الهاتف

ساعة زمان وتعاود أخته الاتصال به :
فهد عممت الخبر
أي خبر؟
هاو ...الولاعة طاحت بالاستكانة
وبعدين شتبين؟
هاو هذي مو شفره؟
يدخل فهد بهستريا ضحك،وينتقل الضحك بسرعه الهشيم لكل من حوله،نعم نحن شعب نقي عفوي طاهر،لم نعرف لعبة الحرب والكر والفر،حتى نساءنا لم يعتادو الشفرات والأسرار
الولاعة طاحت بالاستكانة
!!
ظلت تلك الشفره علوقه يذكرها فهد واخته لكذكرى ظريفه لشر الله لا يعوده

(3)
الكويت،أكتوبر 1990:

شعب آمن مروع في وطنه،وأشخاص ملاحقين دون سبب أو ذنب،وأرض تبكي ووطن جريح
بعد استيعاب الصدمة وعدم استقرار الأوضاع وضعت عوائل كثيرة مابين اختيارين كل منهما أصعب من الآخر
هل نخرج من الكويت حفاظا على حياتنا وحياة أطفالنا وشيابنا ومرضانا؟
أو نستمر
فلا حياة ولا مستقبل دون الكويت؟

قد يبدو الأمر لوهلة أمر منطقيا فمن يترك الكويت في مثل هذه الظروف؟
ولكن الواقع مختلف،فمع السلب والنهب وتوقف عمل المستشفيات لم يكن لأسر كثيرة ممن يتكونون من مرضى أو أطفال صغار ونساءخيار أخر غير الخروج من الكويت لأقرب منفذ للمملكة العربية السعودية،خرجوا بقلوب منفطرة،بأرواح تذوب حزنا،وبطريق إلى المجهول فمن كان يعلم
هل سنعود؟
واذا عدنا
متى سنعود؟
عوائل أخرى فضلت الحياة والموت في حضن الوطن،فاجتمعت الأقارب في البيوت الكبيرة،تجمع ما تبقي عندها من المؤن،تقتصد في كل شئ فلا أحد يعلم ماهو الألم القادم
ومع انتشار تهديد صدام باحتمالية رش الكيماوي على الكويت ،انتشرت الشرائط اللاصقة على كل النوافذ،وكمامات بيضاء توزع على الجميع،وطرق بدائيه مجهولة النتيجة تنتشر بين الجميع ،ورعب يعيشه الأطفال في كل يوم:
إذا رشوا علينا الكيماوي بنموت كلنا؟
وكمامات الورق بتمنع عنا الموت؟
يمه أنا مابي امرض أبي أموت بسرعة يصير؟

ولا إجابة لخوف تلك الاسئلة

!!

(4)

الكويت،الدسمة،نوفمبر 1990:
إذا الشعب يوما أراد الحياة

فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلي

ولابد للقيد أن ينكسر

ومن لم يعانقه شوق الحياة

تبخر في جوها واندثر

بدأت حركة المقاومة تنتشر في الكويت من أقصاها لأقصاها،بعض العمليات مدبرة محكمة ،وبعضها ردات فعل وغضب حركت الشباب الرافض للذل بكل الاتجاهات،وكان الفكر بأن الضربة التي لا تحقق هدفها يكفي أن تدوي بصوت عال ليذكر العدو أن لهذا الوطن نساء ورجال عصية


عرف ناصر بعصبيته، ولم يتمكن الغزو والأحداث الأخيرة من تهدئته، فزاد غضبه وحماسه ورغبته بضرب كل جندي قذر على وجهه لو تعرض أو فكر بالتعرض له

الأمر في ذاك الوقت لم يكن شجاعة بقدر ما كان انتحار، لذلك كان حمد الأخ الأكبر شديد الخوف على ناصر يتابعه في كل لحظة، ويفضل دوما أن يشركه بعمليه منظمه خير من عصبيته في كل مرة

تغافل ناصر أخيه حمد، حيث كان بصحبة صاحبة مطلق فتعرض لهم احد جنود الجيش الشعبي القذر، فما كان منهم إلا تقييده وقتله والهرب

ولأن الأمر لم يكن بذاك السهولة، ظل ناصر ومطلق مطاردين من منطقة إلى منطقة وصولا إلى الدسمة وتحديدا لبيت صاحبهم علي
لم يتردد علي في تخبئة ناصر ومطلق في بيته وبين أسرته حتى تهدأ الأوضاع وتستقر

تلك الليلة وبعد مطاردات يومين ،نام في سرداب بيت الدسمة :

ناصر الحضري،ومطلق البدوي، وعلي العيمي

شيعة وسنة

بدو وحضر


كان منظرهم وسوالفهم وضحكاتهم تالي الليل يستحق أن يحفر بذاكره الزمن:

هل الخوف وحب الوطن أذاب كل الفوارق في ذاك الزمن؟
وهل كنا نحتاج مثل هذا الدرس القاسي لنمحى ذنوب عنصريتنا وقبليتنا؟
وهل كنا نحتاج أن نفقد شئ ثمين كالوطن لنشعر بقيمته التي استرخصناها بصراعاتنا التي نخرت فينا وبوطننا؟
والسؤال الأهم:

هل بقى لذاك الدرس في داخلنا عبرة؟

اترك الإجابة لكم

.

.

...ونستمر

يتبع