الأحد، أبريل 19، 2009

حنين

رائحة التوست المحمص،تتعانق بحب مع رائحة الهيل السابح في حليب قد نال قدرة من التسخين
ومذياع كبير،وصوت عبدالله الخياط بقرآن الفجر يحيط هذا المكان بسكون غريب
نورالفجريتسلل من النوافذ هناك حيث كنا مجرد أطفال نائمين
.
.
.
تجلس هي على حافة سريري،أشعر بها فأتدثر بغطائي وأرفع من حس تنفسي علها تشفق على نومتي وتعتقني من التزامات الصباح والمدرسه:
يالله يمة استكانة قومي،يالله حبيبتي انتي نايمة من سبع المغرب
فأكتفي بالصمت،فالنائم لا يرد،ترفع غطائي واحكم اغلاق عيني فتضحك:
ترا النايمة ما تعفس ويها ،ولا تشخر الصبح خاصه ااذا كانت اهي اساسا ما تشخر،يالله قومي عشان ما تأخرين اخوانج
أتنهد وتبدأ الشكوى اليوميه:
انتي ما تدرين انا البارحة ما نمت عدل طول الليل تعبانه ،فيمكن اذا رحت المدرسه أموت
تجاوبني بكل اريحية:
اسم الله عليج
انتي روحي المدرسه واذا متي دقت علي الاخصائيه
محاولة صباحية فاشله،وسؤال متكرر:
قامو اخواني؟
تمسك يدي وترفعني من سريري:
لا انتي بنت على ما تلبسين ونسوي شعرج الطويل ،اهم صبيان بسرعه يخلصون
امشي بخطوات متثاقله،فأراه جالسا يقرأ جريدته الصباحية مرتديا ملابسه فأسئله:
يبه ليش ما تقرعوني وتخلوني انام شوي مثل اخواني؟
.
.
.
صباح جديد،اجلس فيه على تلك الكوشيه الصغيرة،تشد اطراف خصلات شعري على الجانبين،وتتداخل في بعضها بضفيرة طويلة،ضفيره لا يمكن ان تخون أمي،ولا يمكن ان تتجرأ خصله وتخرج في غير مكانها ،عيوني تنسحب كفلبينيه صغيره،وملامحي تتغير ولا تتغير الضفيره أسئل امي:
ليش ما افل شعري حق المدرسه؟
فله الشعر حق عيد العلم،وعيد الاضحى والفطر؟
اوفففففففف
كتاب الاجتماعيات في حضنها،تراجع لي ما تم اخذه بالأمس وتحضير درس اليوم بسرعه كبيره،وتلقي الكتاب الآخر على ابي ليراجع لي آيات التسميع للمرة المائه بعد الألف على لتلك السور الصغيره
اجاوب أمي،اسمع لأبي،وفي خضم لويتي الصباحية يلفت نظري وجه اخي المبتسم وهو يقوم من النوم للتو ويتمغط في الممر
فأشعر بالغضب والحنق على كل شئ
وأكتب في كتبي:
لا يوجد مساواه في هذا البيت
وما زلت وحدي أعاني الاضطهاد
.
.
.
صباحات باردة،ترتجف فيها طفولتنا من الصقيع الصباحي،نقف امام امي لتمارس أمومتها علينا فتلغمطنا بفازلين من وجوهنا حتى اخمص قدمينا،ونرتدي ملابس بيضاء طويله تحت ملابسنا،ومن ثم ملابسنا وجاكيتات طويله
هل يجرأ البرد على الدخول؟
هل يجرأ المشق ان يعرف وجوهنا؟
من مثلي انا وهو ،أطفال براقين من الفازلين في كل صباح؟
هو مبراد،يشعر بالرضا على كم تلك الملابس التي يرتديها
وانا غاضبه كالعاده ،فأنا احب نسمات الهواء الباردة التي تتداخل هنا بيني وبين مشاعري،لا احب ذاك الهيلاهوب الخانق ولا احب ماركس سبنسر مخترع هذه الملابس الطويلة،ولا أحب ضفيرتي التي تسحب عيني بشده وتمنع رأسي عن التعبير عن مشاعره
يخرج أخي ويعود لها كما هو
وأخرج أنا لأغسل وجهي بأول مغسله بالمدرسه لأتخلص من الفازلين
وأدعس كل ملابسي الخانقه في حقيبه ظهري وأكتب في دفتر يومياتي:
أنتي مبراده تخافين من البرد،وانا لست مبراده واحب البرد
ليست مجبره يا امي على العيش في ذات الإطار
الحل:
ابقي من احب في الإطار الذي يحب
وأخرج انا من الإطار متى ما اردت انا ذلك
...........
أمي:
تفتح حقائبنا في كل مساء،تفرح بثمانيه درجات حصل عليها أخي،وتعاتبني انا على الثمانيه فأنا استحق اكثر
وإن حصلت على تسعه سئلتني لما لم تكن تسعه ونص،وان كانت عشره سئلتني وكم غيرك حصل عليها؟
وأظل ادور في فلك رضاها علي حتى كتبت لها في يوم :
لما تعلميني القناعه في كل شئ ولا تقتنعين بدرجاتي التي احصل عليها؟
مسكت الورقه وجائتني مبتسمه:
لأن ابنتي ذكية دائما تستحق الأفضل،وأتوقع منها انا وابوها كل شئ افضل
وكتبت يومها في مذكراتي:
أن يتوقع الجميع منك الأفضل
أمر متعب
واعتقد اني بدأت أتعب من كل شئ
.
.
.
أكنت أناظرأخي الصغير واغبطه فهو الى جانب انه ولد وهذه بحد ذاتها نعمه فهو ايضا انه يعيش أجمل مراحل عمره في الروضه،تلك الروضه التي عشت فيها اكثر من المطلوب بحجة أن أمي تريدني ان استفيد
مالذي استفدته من الروضه؟
استفدت اني أحيت حفلة تخرج الروضه وأنا ارقص بحماس وانتقل من رقصه الى رقصه كيف لا وأنا خالتي الأبلة
أناظر صور الروضه فأضحك،انا وقريبي،هو بضحكة مرتبكة وانا بضحكة كبر الدنيا
أصادق اصدقائه لانه لا يبرد قلبي،واشعر بالفخر وهم يناظروني بسعاده وانا أشارك بكل رقصه
في المرحله الفاصله مابين الروضه وسنوات الإبتدائيه الأولى زاد حرص ابي على حضوري دروس القرآان وبعض الدروس الأخرى
هل أحس أبي بالخطر بعد تلك البدايات المشرقه؟
الحمدلله الذي من علي بالهداية،بداياتي كانت خطرة
.
.
.
طفولة مشبعه بالإهتمام والحب
وحياه دراسية،أقضيها بمسابقات الشعر والكتابة والبكاء على الدرجة ومنتصفها
وصديقات تعرف امي التاريخ الكامل لهن حتى الجد السابع عشر لتسمع لي بمصادقتهن
قرصات أمي وخزات التحكم عن بعد فيني
الصول للمراهقه بكرها وفرها،وعناد يصر على الخروج من كل تلك الإطر
.
.
.
كانت تلون معي بعض الخرائط،حين تغافلتها ودونت على طرف كتابي:
أريد درزن اطفال كدرزن بيتزا قصير
ولكن،هل سأكون أم مثاليه كأمي؟
ان كنت كان بها،وإن لم يكن سأعطيهم امي
لأنه تعجبني كأم
.
.
.
أمي وخوف تزرعه فيني:
من قطة قد تفقدني تركيزي
من شخص لا اعرفه يخطف البنات قد اجده في كل وقت وحين
من التفاحة السوداء التي تفسد كل التفاحات حولها
ومن الزجاجة التي ان انشرخت فلن تعود كسابق عهدها
خوف،يجعلني احصل على الليسن ويقبع في محفظتي سنتين مع وقف التنفيذ
وخوف يجعلها تقيم الدنيا ولا تقعدها ان تأخرت عن موعد دخولي اليومي ولو خمس دقائق
خوف يخيفني من نفسي ،ويخيفني عليها
امي وبساطتها
فالحياه تدور حول أبي ورضاه
ولا احد يعرف ولا يفهم سواه
والحياه لم تكن يوما استقبالات وصداقات
فالحياة نحن ،وكل ما عدانا شئ من التفاهات
.
.

هل لأمي لعنة الفراعنه؟
ضحكت وانا ارسل لها تلك الرساله في سنين جامعتي الأولى
وحدها امي ان لم ترض على شئ يتعسر،ان لم ترضى على طلعتي حتى موقف السيارة لا أجد
وحدها أمي ،ان عملت شئ لا يرضيها وراء ظهرها لا ينكشف الا امام عينيها
سئلت نفسي مرارا لما يحصل كل هذا؟
وعرفت في زمن متأخر...ان ربي حافظني بأمي
.
.
.
يقال:
اقلب الجرة على تمها وتطلع البنت لأمها
قلبت امي الجرة ورفعتها،ولم تجدني نسخة مماثله لها،فأعادت تلك الجرة على رأسي عمرا،الى ان استوعبت ان كوني لست نسخة منها لا يعني ذاك اني سيئه،فرضخت وتركت تلك الجرة في حالتها
......
سنين تمر،كل شئ يتغير،الطفله تكبر،الكل يلاحظها تكبر عداها،
لا زالت لديها تلك الطفله التي تود لو تنومها الساعه السابعه وتظفر شعرها في كل صباح وتراجع لها
كانت نافذتي على الدنيا،واليوم انا نافذتها
.
.
.
الكر والفر
ومشاكسات كل هذا العمر
الزعل والرضا
وعشره تجعلني اعرفك من نبره صوتك:
استكانة قلبي:فأعرف ان هناك طلب ينتظرني
استكانوووووووو:فاعلم اني اضعت شئ من اغراضك الثمينه
استكانة تعالي غرفتي شوي:وأعلم هناك عرض خطبة يربكك ويخجلك مني
من له مثل امي؟
تعتيم اعلامي على موضوع الزواج حتى زمن قريب
ثم تفتح في حياتي ذاك الباب وتعرض علي وتناقشني
وما زالت...تخجل وترتبك اكثر مني،وفي تلك الأمور تستخير قبلي
.
.
.

مساء أمس كنت في مكتبي بالبيت احاول استجماع افكاري لأكتب بعض الأمور المتعلقه بالدوام،لوهله شعرت بأني مسكت بدايه خيط أفكاري،ابدأ بالكتابه فتدرعم علي وتسئلني:
استكانة وين الترجية الذهبيه؟
انتي كله تضيعين الاغراض عيزت ارتب اغراضج ماكو فايده،انا مادري اشلون بتعيشين الدنيا وانتي كل اغراضج
ضايعه
!!
برهه من الوقت وانا اناظر عينيها الغاضبه واتخيل خيط افكاري يتقطع على يديها فاجاوبها بكل برود هالدنيا:
يمة انا بالي مو معاج أي ترجية؟
بعدين هل ضياع ترجية تمثل مشكله الشرق الاوسط ؟
وثالثا:قبل لا تدخلين بموضوع طقي اشاره افتر راسي انا مو معاج
وطرباااااااخ..ترقع الباب وتخرج
.
.
قبل خروجها تسئلني:
جنطتي ماشيه مع ملابسي؟
اناظرها واجاوب:
لا!
تغضب:
انتي قليله ادب
اضحك:
وانتي بيزنطيه،ليش ماتقبلين بالراي الآخر؟
.
.
.
سنين العمر تمروكل شئ يتغير
تجلس في كل صباح بجانب زرعها في الصاله، تقرأ قرآنه ووردها الصباحي
ا وتنظر الينا من بعيد،نصيحة طايره بالهوا،.ونصائح من نوع:
لا تنسين دعاء الركوب ولا تخرجين من غير ريوق
أمي
،ودوامة الحياة والاطفال،تمر السنين،ترفع راسها في الصباح فتجدنا قد خرجنا كلنا دون ان نرى عينيها،وأن حياتنا اصبحت اوسع من ان تمسك اطرافها،وأننا انشغلنا بكل شئ سواها،
وهي ما زالت تتمنى ،لو انها تنومنا ككتاكيت صغيره تحت جناحيها
.
.
الفراغ يلف شبابها،والتوتر دون سبب يحيط بحياتها
يجلسان هي وأبي في عصر كل يوم ليتناجران على مكان تلك الزرعه،ومن يشبه ذاك المذيع
ويغيرون ديكور هذه الصاله الف مرة
وتسئلني :
استكانة ابوج مادري اشفيه علي اليوم يناجرني
ويجاوبني هو:
اهي اللي بدت تتحرش فيني
ونبدأ
واحد صفر أمي
واحد واحد تعادل
اثنين واحد أبوي
واظل طوال العصر كحكم دولي بين الأثنين
هل تمر امي وابي بسن المراهقه؟
.
.
.
هذا الصباح وجدت أمي نائمة على غير عادتها
والبيت قبل خروجي هادئ،فلا صوت لأخوتي ،ولا اعلم اين ابي
فشعرت بالحنين
لتلك الصباحات الغارقه بحليب امي والهيل
ولصوت عبدالله خياط وقرأنة
ولسوالفي مع اخي وضحكاته
حنين
لبراءه تلك السنين
لخلوها من همومي
ولجمال احساسها الصباحي
حفظ الله أمي وابي ورزقني جنه برهم ورضاهم
وحفظ الله لكم والديكم وكل من تحبونه
.
.
صباح الذكريات الجميلة
ومساء الشوق والوله